هل كنت تعلم؟

متجمد في الزمن

طرق الطبيعة المذهلة لحفظ البشر ووحوش ما قبل التاريخ حتى اكتشفناها اليوم

بقلم: إيمي غريسديل

شهدت الأرض تغيرات هائلة منذ تشكّلها قبل نحو 4.5 بليون سنة، فقد خضعت لمراحل متبادلة من التبريد والاحترار، وسبب هذا التأرجح بين درجات الحرارة القصوى تغيّر النظام الإيكولوجي بشكل كبير. وتسبب ذلك في انقراض جماعي وأتاح الفرصة لكي تتطور أنواع جديدة بدلا منها. وتركت الحيوانات المنقرضة وراءها آثاراً، من آثار أقدام جزئية إلى هياكل عظمية متحجرة سليمة. ومع ذلك، ففي بعض الحالات، وجدت حيوانات الماضي طريقها إلى بيئات حافظت على أجسامها بكاملها في حين تلاشت آثار بقية أفراد نوعها.
ويُعدُّ التجميد Freezing طريقة ممتازة لحفظ الحيوانات. ويوقف الطقس البارد عملية التحلل العضوي عن طريق منع نمو البكتيريا التي تتغذى بالجسم المتحلل. وخلال أحدث العصور الجليدية، كانت درجات الحرارة أبرد بنحو 5 إلى 22 درجة سيليزية مما هي عليه اليوم. وكانت الحيوانات معزولة جيداً بفضل شعرها الكثيف، مثل الماموث الصوفي الكبير Great Woolly Mammoth، أو أنها كانت تحتمي من البرد، مثل أسود الكهوف. ففي الوقت الحالي زال التجمد عن معظم العالم، ولكن لا تزال هناك مناطق متجمدة، مثل أجزاء من روسيا وآسيا. ومنذ ذلك الحين استُخرجت الحيوانات التي عاشت وماتت خلال تلك الحقبة القديمة من التربة دائمة التجمد (الصقيعية) Permafrost (وهي طبقة دائمة التجمد في الأرض) وجثثها سليمة. واكتُشفت جثة بيسون السهوب Steppe Bison الذي عاش قبل 36,000 سنة في حالة ممتازة عام 1979. ولا تزال طرفاه الخلفيتان تحملان علامات مخالب وأسنان أسد العصر الجليدي الذي قتله.
وفي كثير من الأحيان احتُجزت العينات المتبقية منذ آلاف السنين بطريقة ما قبل حدوث انخفاض مفاجئ في درجات الحرارة. ويشير وجود طعام في معدة حيوانات العصر الجليدي إلى أن أجسامها تجمّدت بسرعة؛ مما منع تحللها.
ويرجع الفضل في اكتشاف عدد كبير من الرفات المتجمدة وفي ذلك دعوة إلى العلماء لاستخراج الرفات ودراسته، كما يمكنهم التوصل إلى استنتاجات حول الكيفية التي عاش بها الحيوان حياته اليومية. وحول السبب المحتمل لانقراضه إلى عمال المناجم الباحثين عن المعادن الثمينة وأدى فحص وحيد القرن الصوفي Woolly Rhino، الذي عثر عليه عمال منجم للذهب في شمال روسيا في عام 2007، إلى إقناع الباحثين بأن هذا النوع انقرض لأن أرجله كانت من القصر بحيث منعته من التحرك بكفاءة عبر الثلوج العميقة.
وفي غياب الجليد تتبع الطبيعة طرقاً أخرى لحفظ أنسجة الجسم. ويعد العزل عن الأكسجين عاملاً بالغ الأهمية لمنع التحلل. وتحتوي المستنقعات الخثية في أوروبا على مزيج سحري من نقص الأكسجين وانخفاض درجات الحرارة والمياه الحمضية، التي تعمل على «تخليل» بقايا أي حيوان نَفَق في الوحل. وبمرور الزمن تتشكل طبقات من الطحالب على سطح المستنقع وتطلق موادّ كيميائية توقف نمو البكتيريا.
وتشمل بقايا الماضي الشهيرة التي اكتُشفت في هذه المستنقعات بقايا بشرية محفوظة بصورة ممتازة، إلى جانب عدد كبير من المكتشفات الأثرية الغريبة التي استُخرجت في السنوات الأخيرة.
وفي بعض الأحيان عُثر مع «رجال المستنقعات الخثية» هؤلاء على قطع ضخمة من مادة شمعية صالحة للأكل، يُعتقد أنها صنعت من منتجات الألبان أو اللحوم. وهذه ربما كانت “زبدة المستنقعات” Bog Butter، وهي منتج غذائي ثمين يُدهن على خبز العصر البرونزي. وربما كان الناس في الماضي يخزنون الزبدة في المستنقعات لحفظها باردة ومنعشة، قبل وقت طويل من ظهور التبريد. وقد نجحت الطريقة بشكل جيد لدرجة يُعتقد معها أن زبدة الدهن القديمة لا تزال صالحة للأكل- ما دام من يأكلها يمكنه تحمّل الرائحة.
وقد تحتجز الحيوانات فيما يشبه كبسولة الزمن عند سقوطها في الحفر القطرانية Tar Pits. وفي بعض أنحاء العالم قد تتسرب ينابيع القطران الطبيعي إلى الأرض كنفط خام سميك، فتتراكم وتشكل في المحصلة بركة، يتفاعل سطحها مع الهواء فيصبح أكثر سماكة ولزوجة.
وتُعرف هذه بالحفر القطرانية، ويمثل كل منها لمحة سريعة من الماضي. وكانت حيوانات ما قبل التاريخ تتعثر في القطران وتصارع لتحرير نفسها. وعندما كانت الضجة الناتجة تجتذب الحيوانات المفترسة، كان بعضها يُحتجز في القطران. وبعد آلاف السنين بدأ تعدين القطران الصلب كإسفلت، ومن ثمَّ ظهرت الكنوز المخبأة بالداخل.
لا بريا La Brea هي حفرة قطرانية مشهورة عالمياً في لوس أنجلوس، كاليفورنيا. احتُبست بعض الكائنات فيها لأكثر من 30,000 سنة، وما زال يُعثر على اكتشافات جديدة حتى يومنا هذا. ويخضع الموقع للتنقيب منذ عام 1913، حيث عُثر على أكثر من 3.5 مليون عينة حتى الآن. وقد تم التعرف على أكثر من 600 نوع من الحيوانات والنباتات من هذه البقايا، لكن معظم الاكتشافات كانت عظاما لحيوانات كبيرة. و%90 من الحيوانات الآكلة اللحوم مثل الأسود الأمريكية والذئاب الرهيبة Dire Wolves.
استُخرج 4,000 ذئب رهيب من القطران، ويُعرض نحو 400 من جماجمها في متحف جورج سي بيغ
George C. Page Museum الموجود في موقع الحفريات.
لقد تعلم البشر الكثير من كبسولات ما قبل التاريخ هذه، فقد جمّعنا أحداث التطور وتوصلنا إلى فهم تفصيلي للكيفية التي وصلنا بها إلى الوقت الحالي. فبعض قطع الأحجية مفقودة، لكن المناطق التي حفظت الماضي تساعدنا على ملء الفراغات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى