التاريخ

ديناصورات العصر الحديث

اكتشف الحيوانات التي عاشت لتحكي قصة انقراض جماعي

في ظل الأدغال الخضراء المورقة والرائحة العبقة لأوائل النباتات المزهرة في الهواء، شهدت فترة العصر الطباشيري الكوكب في ريعانه في عصور ما قبل التاريخ. فقد هيمن العمالقة على الأرض والبحر والسماء حتى نحو 66 مليون سنة مضت، حيث ازدهرت في ظل وفرة الحياة التي عاشت على الأرض. كان ذلك بالطبع حتى سقطت من السماء قطعة ضخمة من الصخور الفضائية، فأدت إلى محو الديناصورات وتغيير مسار التاريخ إلى الأبد. لكن بعض الأنواع تمكنت من التشبث بالحياة وتجنبت الانقراض.

تعريف الديناصورات

الديناصورات هي مجموعة من الزواحف التي تطورت من طائفة من المخلوقات تسمى “الأركوصورات” (الزواحف الحاكمة). وتطورت الأركوصورات منذ نحو 250 مليون سنة، وانقسمت في النهاية إلى سلالتين مختلفتين: فرع تطوري أدى إلى أسلاف التماسيح (أشباه التمساحيات Pseudosuchia) بينما أدى الآخر إلى تطور التيروصورات والديناصورات، والطيور في نهاية المطاف (أشباه الطيور ovnithosuchia). وتتشارك كل هذه المخلوقات- حتى الطيور والتماسيح المعاصرة- في سلف مشترك من الأركوصورات.

ومن بين أوائل الديناصورات التي عاشت قبل نحو 230 مليون سنة خلال العصر الترياسي، ديناصور صغير، وسريع، ذو ساقين، يُدعى الإيورابتور Eoraptor. وبعد 15 مليون سنة، كان أي حيوان عاش على الأرض بطول متر واحد أو أكثر ديناصوراً. وقد تطورت هذه الوحوش لشغل العديد من الموائل الإيكولوجية المختلفة، من التيتانوصورات Titanosaurs الشاهقة الارتفاع إلى الميكرورابتورات Microraptors القزمة. وكانت الديناصورات واسعة الانتشار على كوكبنا، حيث سادت الأرض لأكثر من 160 مليون سنة قبل أن يؤدي حدث كارثي إلى محو 75% من الحياة على الأرض.

نهاية حقبة

احتدم الجدال حول التفسير الدقيق لانقراض الديناصورات لسنوات حتى اكتُشفت فوهة بركانية ضخمة في تشيكسيولوب بالمكسيك في عام 1991، وهو اكتشاف ألقى في النهاية بعض الضوء على الحقيقة وراء النهاية العنيفة لأولئك الجبابرة القدماء. وخلال ما يعرف الآن بحدث الانقراض الطباشيري- الباليوجيني K-Pg، انقرضت الديناصورات بعد ارتطام كويكب قطره 10 كم بالأرض بسرعة زادت على 64,000 كم/ساعة.

وأحدثت القوة التفجيرية للارتطام حفرة عرضها 180 كم في سطح الأرض وقتلت 80% من النباتات والحيوانات التي كانت تعيش في جوارها. ومع ذلك، وعلى الرغم من القوة المذهلة لهذا الحدث، فإن الارتطام نفسه لم يكن السبب الوحيد للانقراض العالمي: فقد أدت تأثيراته في الغلاف الجوي دورا رئيسيا أيضا. وبسبب حجمه ونطاقه الهائلين، تبخّر الكويكب عند الارتطام، فأمطر رمادا أحمر ساخنا وشكّل سحابة واسعة ملوثة بالجسيمات.

ويصف عالم البيولوجيا التطورية والمذيع الدكتور غارود الدمار بقوله: “امتلأت منطقة الارتطام بالجبس، وعندما تطاير الجبس، تكوّن هذا المزيج الحمضي الرهيب الذي تساقط بعد ذلك كمطر حمضي. فهذه السحابة الهائلة من الغازات السامة، إلى جانب الرماد المنصهر، ألقيت في الغلاف الجوي، محدثة تأثيرا يشبه فرن البيتزا؛ مما أدى إلى “خَبْز” الأرض لعدة أشهر.”

رفع هذا المطر الملتهب درجة حرارة الأرض العالمية إلى مستويات مميتة للزواحف الضخمة التي لم تجد مكانا تختبئ فيه. ولكن، كان إعتام السماء هو ما أدى إلى هلاك الديناصورات في نهاية المطاف. وعمل هذا الحطام الجوي كستارة عبر الأرض، فحجب سطحها عن ضوء الشمس. وباختفاء الضوء لم تعد النباتات قادرة على البناء الضوئي بشكل صحيح. ولأن النباتات جزء لا يتجزأ من جميع السلاسل الغذائية، فمن دونها سرعان ما وقعت مجاعة. وحدها المخلوقات التي أمكنها الاعتماد على مصادر غذائية بديلة عاشت لتشهد فجر حقبة جديدة.

البقاء للأصلح

ربما تسبب هذا الانقراض الجماعي المدمر في موت الديناصورات على نطاق عالمي، لكنه لم يقضِ على جميع الأنواع الحية. وللهروب من الحرارة الشديدة من الرماد المتساقط والشتاء العالمي البارد الذي أعقبه، نجا كثير من المخلوقات القادرة على الحفر أو الغوص. وفي الواقع أن أدى موت الديناصورات إلى ظهور عصر الثدييات.

بعد أن احتمت من الارتطام بالاختباء تحت الأرض، سرعان ما ظهرت أوائل الثدييات الحقيقية؛ وهي مخلوقات كانت تقتات على اللافقاريات والنباتات. ويمكن القول إن أغرب الثدييات التي نجت من الانقراض الجماعي كانت الثدييات التي تبيض: خُلد الماء، والقنفذ.

وكذلك عاشت المخلوقات التي عاشت في أعماق المحيطات، فكانت تتغذى بالمخلوقات التي لم تتأثر نسبيا بالتغير المناخي الذي حدث فوق الأمواج. فأسماك القرش، مثلا، عاشت في المحيطات قبل وقت طويل من ظهور الديناصورات وبقيت لفترة طويلة بعد رحيلها. لكن هناك سمة مشتركة واحدة تربط بين جميع المخلوقات التي نجت من الكارثة: حجمها.

“من المؤكد أن الحجم أدى دورا كبيرا، فقد انقرض كل ما زاد وزنه على 10 إلى 20 كغم. وفي الوقت الراهن لا يوجد أي دليل على نجاة أي مخلوق حتى بحجم البقرة. ومعظم الديناصورات كانت ضخمة نسبيا. [على اليابسة] نجا كثير من الزواحف الأخرى، أي الطيور في ذلك الوقت، وكذلك عدد قليل من الثدييات، ولكن لا شيء غيرها، “كما يوضح الدكتور غارود.

مكّنت القدرة على العيش فوق وأسفل الماء التماسيح والتماسيح الأمريكية في عصور ما قبل التاريخ من الهيمنة. وأثبتت الحراشف السميكة، والفك الطويل المزوّد بأسنان شائكة حادة والذيل الضخم، أنها ترسانة مفيدة في السعي من أجل البقاء. “تكيفت التماسيح مع بيئتها تماما؛ فبوسعها التعامل مع الظروف غير المواتية، مثل البيئات الفقيرة بالأكسجين. وتطورت رتبة التمساحيات Crocodilia بشكل منفصل إلى ديناصورات. وهي زواحف حقيقية تطورت منذ 86-85 مليون سنة. ومن ثمَّ فقد كانت جديدة تماما على الساحة،” كما يشرح الدكتور غارود.

ولأنها من ذوات الدم البارد Exotherms، اعتُبر أن التماسيح تدخل حالة تشبه الركود لضمان بقائها؛ وهي خاصية مفيدة عند التعامل مع تغير مناخي عالمي، وهي ميزة لم تمتلكها الديناصورات لسوء حظها. وقد أدى الحجم دورا كبيرا في طول فترة بقاء التماسيح، كما حدث مع جميع الأنواع الأخرى التي نجت من ارتطام الكويكب. وتبلغ التماسيح القزمة التي تعيش اليوم نفسه حجم أسلافها التي نجت من حافة الانقراض. وقد كتب تشارلز داروين ذات مرة: “ليست أقوى الأنواع هي التي تظل قيد الحياة، ولا الأكثر ذكاء هي التي تبقى، بل هي أقدرها على التكيّف مع التغيير.” وفي ظل هذه الظروف القاسية التي سادت الكوكب، لم يتبقَ سوى المخلوقات القادرة على التكيف مع بيئتها الجديدة، فتطوّرت إلى الأنواع التي نراها اليوم. فهناك مجموعة واحدة بعينها من الحيوانات، والتي لم تنج فقط من الانقراض الجماعي بل ازدهرت بعده.

فصيلة مكسوة بالريش

باعتبارها النسل المباشر للديناصورات والذي لا يزال يجوب الكوكب، فقد استبسلت الطيور للحفاظ على معاقلها على الأرض.

وبدأت العلامات الأولى على مستقبل الديناصورات المكسوة بالريش قبل نحو 245 مليون سنة على شكل مجموعة من الديناصورات تعرف بالثيروبودات. وسارت هذه المجموعة من الزواحف متوازنة على رجليها الخلفيتين بمساعدة ذيل طويل، في حين مكّنها الساعدان القصيران من القبض على فرائسها وتمزيق أجسادها.

وتمثل أقدام الثيروبودات أول تشابه مرئي مع الطيور المعاصرة، مع ثلاث أصابع مخلبية ممتدة، والتي تستقر أمام إصبع خلفي أصغر.

وسرعان ما ظهر الريش لاحقا في الثيروبودات غير الطيرية مثل الأوفيرابتوصورس، لكن هذه الديناصورات ظلت غير قادرة على الطيران. وعلى مدى آلاف السنين، تطورت هذه الديناصورات إلى أول ديناصور مجنح معروف، الأركيوبتركس، الذي حلق في السماء قبل نحو 150 مليون سنة مضت.

وخلال الـ 80 مليون سنة التالية تضاءل حجم هذا الفرع من الديناصورات تدريجيا، ففقد المخالب على أطراف جناحيه واستبدل فكيه الممتلئين بالأسنان بالمناقير، وكان هذا التحول هو مفتاح النجاة من الانقراض الجماعي. وبدأت تتطوّر طيور قديمة تشبه في مظهرها تلك التي نعرفها اليوم، مثل طيور كونفشيوس الشبيهة بالغربان.

وكانت المناقير والأجنحة هي طوق النجاة الحقيقي الذي أنقذ الطيور بعد حدث الانقراض الجماعي.

ومع تناقص الموارد النباتية، فقد أدى انعدام الأسنان إلى تمكينها من الحصول على طعامها من اللافقاريات والبذور في عالم كان فيه الغذاء شحيحاً.

وقد منحتها قدرتها على الطيران ميزة كبرى على الحيوانات الأرضية الأقل حظا، بأنها قد مكنتها من الوصول إلى أماكن تحتمي بها.

“لابد أنه كانت هناك جيوب من الواحات الصغيرة في جميع أنحاء العالم، والتي مثّلت ملاذات لم تُمس، مثل الشعاب أو الوديان. ولا نعلم أماكن وجودها بعد، ولكن قد يكون هناك مكانان أو ثلاثة أماكن محتملة، أو ربما عشرات الأماكن الاستوائية البكر، التي تتسم بالجمال، والخصوبة،” كما يقول الدكتور غارود.

في غياب مطاردتها من قبل الحيوانات العملاقة آكلة اللحوم التي انقرضت الآن، أو التهام نظرائها من الحيوانات العاشبة لكميات هائلة من النباتات، تمكنت الطيور والحيوانات الصغيرة الأخرى من إعالة أنفسها، ومن ثمَّ أنتجت نسل الأحافير الحية التي نراها اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق