غير مصنف

خرافات التطور

سنقوم‭ ‬بتفنيد‭ ‬تسع‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬الخرافات‭ ‬حول‭ ‬نظرية‭ ‬داروين‭ ‬الشهيرة

يُعدُّ‭ ‬التطوّر‭ ‬Evolution‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأفكار‭ ‬العلمية‭ ‬أهمية‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬فهي‭ ‬تصف‭ ‬كيف‭ ‬تتغير‭ ‬الأنواع‭ ‬الحية‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت،‭ ‬أو‭ ‬تتشعب‭ ‬Diverge‭ ‬لإنشاء‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬Species‭ ‬من‭ ‬السلالات‭. ‬وهي‭ ‬تفسر‭ ‬كيف‭ ‬صار‭ ‬البشر‭ ‬بمثل‭ ‬هذا‭ ‬الذكاء،‭ ‬وسبب‭ ‬الطول‭ ‬المفرط‭ ‬للزرافة،‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬للبكتيريا‭ ‬أن‭ ‬تكتسب‭ ‬مقاومة‭ ‬للمضادات‭ ‬الحيوية‭ ‬خلال‭ ‬بضعة‭ ‬أيام‭.‬

لقد‭ ‬بدأ‭ ‬السباق‭ ‬لتفسير‭ ‬شبكة‭ ‬الحياة‭ ‬بشكل‭ ‬جدي‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭. ‬وطوال‭ ‬عقود،‭ ‬افتُتن‭ ‬علماء‭ ‬الطبيعة‭ ‬بأوجه‭ ‬التشابه‭ ‬بين‭ ‬الحيوانات‭ ‬المختلفة،‭ ‬وخلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬استُخرج‭ ‬من‭ ‬باطن‭ ‬الأرض‭ ‬المزيد‭ ‬والمزيد‭ ‬من‭ ‬الأحافير‭ ‬القديمة‭. ‬وكان‭ ‬علماء‭ ‬الأرض‭ ‬قد‭ ‬بدؤوا‭ ‬يكتشفون‭ ‬أن‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭ ‬أقدم‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬يُعتقد‭ ‬سابقا‭. ‬وصار‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬لم‭ ‬يتواجدوا‭ ‬طوال‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الفترة‭ ‬الطويلة،‭ ‬وأن‭ ‬حيوانات‭ ‬ضخمة‭ ‬قد‭ ‬عاشت‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬لكنها‭ ‬انقرضت‭ ‬الآن‭.‬

اكتشف‭ ‬عالم‭ ‬الطبيعة‭ ‬جان‭ ‬باتيست‭ ‬لامارك‭ ‬Lamarck‭ ‬أن‭ ‬الأنواع‭ ‬المختلفة‭ ‬تبدو‭ ‬متناسبة‭ ‬مع‭ ‬بيئاتها،‭ ‬واقترح‭ ‬أنها‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التكيف‭ ‬ببطء‭ ‬طوال‭ ‬حياتها،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬نقل‭ ‬هذه‭ ‬التغييرات‭ ‬إلى‭ ‬ذريتها‭. ‬وقد‭ ‬أعلن‭ ‬فكرته‭ ‬الشهيرة‭ ‬القائلة‭ ‬إن‭ ‬الزرافات‭ ‬اكتسبت‭ ‬أعناقها‭ ‬الطويلة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬تمديدها‭ ‬باستمرار‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬أطول‭ ‬الأشجار‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬الطعام،‭ ‬فحصلت‭ ‬الزرافات‭ ‬التي‭ ‬مدّت‭ ‬أعناقها‭ ‬أكثر‭ ‬على‭ ‬ذرية‭ ‬أطول‭ ‬عنقا‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬نظرية‭ ‬لامارك‭ ‬كانت‭ ‬غير‭ ‬مكتملة‭- ‬فلم‭ ‬يوضح‭ ‬كيفية‭ ‬حدوث‭ ‬تلك‭ ‬التغييرات‭ ‬–‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬قدَّم‭ ‬ملاحظتين‭ ‬مهمتين‭: ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬الأنواع‭ ‬تدريجيا‭ ‬لتتلاءم‭ ‬مع‭ ‬بيئتها،‭ ‬وأن‭ ‬هذه‭ ‬التغييرات‭ ‬تورّث‭ ‬إلى‭ ‬الأجيال‭ ‬المقبلة‭.‬

بناء‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الملاحظات‭ ‬ودراساته‭ ‬الواسعة‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬النباتات‭ ‬والحيوانات،‭ ‬نشر‭ ‬تشارلز‭ ‬داروين‭ ‬Darwin‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬الآن‭ ‬بنظرية‭ ‬التطور‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الانتقاء‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1859‭. ‬وقد‭ ‬اقترح‭ ‬أنه‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬التكيف‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬حياتها،‭ ‬فإن‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬تختلف‭ ‬قليلا‭ ‬عن‭ ‬أقاربها‭ ‬بصورة‭ ‬طبيعية،‭ ‬كما‭ ‬يمتلك‭ ‬بعضها‭ ‬خصائص‭ ‬تساعدها‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول،‭ ‬وامتلاك‭ ‬ذرية‭ ‬أكثر‭. ‬فالكائنات‭ ‬التي‭ ‬تتكيف‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أفضل‭ ‬تكون‭ ‬أقرب‭ ‬احتمالا‭ ‬لنقل‭ ‬سماتها‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬التالي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الأنواع‭ ‬تتغير‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬فترة‭ ‬زمنية‭ ‬طويلة‭.‬

وفي‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬داروين‭ ‬يعرف‭ ‬تماما‭ ‬كيفية‭ ‬انتقال‭ ‬الصفات‭ ‬من‭ ‬الآباء‭ ‬إلى‭ ‬الأبناء،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬أثارت‭ ‬نظريته‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الجدل‭. ‬ولكن،‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬التي‭ ‬تلت‭ ‬ذلك،‭ ‬اكتشفنا‭ ‬أن‭ ‬الجينات‭ ‬هي‭ ‬العربات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بنقل‭ ‬المعلومات‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬إلى‭ ‬جيل،‭ ‬وأن‭ ‬التغيرات‭ ‬الضئيلة‭ ‬في‭ ‬الشيفرة‭ ‬الوراثية‭ ‬توفّر‭ ‬الاختلافات‭ ‬الطفيفة‭ ‬التي‭ ‬توجّه‭ ‬عملية‭ ‬التطور‭. ‬فقد‭ ‬تتبعنا‭ ‬الأشجار‭ ‬الوراثية‭ ‬Genetic trees،‭ ‬واستخرجنا‭ ‬أحافير‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها،‭ ‬وشاهدنا‭ ‬حدوث‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬البرية‭ ‬وفي‭ ‬المختبر‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فقد‭ ‬تمَّ‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬نظرية‭ ‬التطور‭ ‬وتطويرها‭ ‬لتصبح‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬للبيولوجيا‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محلا‭ ‬للخلاف،‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬النظريات‭ ‬العلمية‭ ‬المُساء‭ ‬فهمها‭. ‬كيف‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬أنها‭ ‬حدثت‭ ‬بالفعل‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬السجل‭ ‬الأحفوري؟‭ ‬لماذا‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬“نظرية”‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬العلماء‭ ‬متأكدين‭ ‬من‭ ‬صحتها؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬تتطور‭ ‬جميع‭ ‬القردة‭ ‬إلى‭ ‬بشر؟‭ ‬انضم‭ ‬إلينا‭ ‬ونحن‭ ‬ندحض‭ ‬الخرافات‭ ‬الأكثر‭ ‬شيوعا‭ ‬المحيطة‭ ‬بنظرية‭ ‬داروين‭ ‬التي‭ ‬غيّرت‭ ‬فهمنا‭ ‬للبيولوجيا‭.‬

نحن‭ ‬من‭ ‬نسل‭ ‬القرود

فلماذا‭ ‬لم‭ ‬تتطور‭ ‬كل‭ ‬القردة‭ ‬إلى‭ ‬بشر؟

لعل‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬المفاهيم‭ ‬الخاطئة‭ ‬حول‭ ‬التطور‭ ‬–‭ ‬أن‭ ‬البشر‭ ‬قد‭ ‬انحدروا،‭ ‬خطوة‭ ‬بخطوة،‭ ‬من‭ ‬النسانيس‭ ‬أو‭ ‬القرود‭ ‬الحديثة‭. ‬من‭ ‬المحتمل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬الصورة‭ ‬المعروفة‭ ‬عن‭ ‬“تطور‭ ‬الإنسان”‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬تظهر‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬القردة‭ ‬التي‭ ‬تصبح‭ ‬منتصبة‭ ‬وشبيهة‭ ‬بالبشر‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬متزايد،‭ ‬قد‭ ‬ساعدت‭ ‬على‭ ‬انتشار‭ ‬هذه‭ ‬الخرافة‭.‬

أولا،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬واضحا‭ ‬تماما‭ ‬أن‭ ‬النسانيس‭ ‬Monkeys‭ ‬والقردة‭ ‬Apes‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭: ‬تنقسم‭ ‬النسانيس‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭: ‬نسانيس‭ ‬العالم‭ ‬الجديد‭ ‬و‭ ‬نسانيس‭ ‬العالم‭ ‬القديم،‭ ‬فكلتاهما‭ ‬مجموعتان‭ ‬منفصلتان‭ ‬من‭ ‬الأنواع‭ ‬الحية‭ ‬المختلفة‭ ‬من‭ ‬القردة‭. ‬وبعد‭ ‬ذلك،‭ ‬يتم‭ ‬تقسيم‭ ‬القردة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭: ‬القردة‭ ‬الدنيا‭ ‬Lesser apes‭ (‬قردة‭ ‬الغبون‭) ‬والقردة‭ ‬العليا‭ ‬Great apes‭ – ‬التي‭ ‬تشمل‭ ‬البشر‭. ‬ولذلك،‭ ‬فنحن‭ ‬لسنا‭ ‬بالتأكيد‭ ‬من‭ ‬سلالة‭ ‬النسانيس،‭ ‬ولكن‭ ‬ماذا‭ ‬عن‭ ‬القردة؟

نحن‭ ‬نتشارك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الصفات‭ ‬مع‭ ‬القردة‭ ‬العليا‭ ‬الأخرى‭- ‬الشمبانزي،‭ ‬وإنسان‭ ‬الغاب‭ (‬الأورانغ‭ ‬أوتانغ‭)‬،‭ ‬والبابون‭ ‬والغوريلا‭ – ‬وهي‭ ‬أقرب‭ ‬الكائنات‭ ‬شبها‭ ‬بنا،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬أجدادنا‭ ‬أيضا‭. ‬فكل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬القردة‭ ‬العليا،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬البشر،‭ ‬قد‭ ‬تطوّر‭ ‬بشكل‭ ‬مستقل‭ ‬من‭ ‬“سلف‭ ‬مشترك”‭.‬

إذا‭ ‬قمت‭ ‬بتتبع‭ ‬الأحافير‭ ‬البشرية‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬ستجد‭ ‬أنها‭ ‬تصبح‭ ‬تدريجيا‭ ‬أكثر‭ ‬شبها‭ ‬بالقردة‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة،‭ ‬مع‭ ‬أسنان‭ ‬أكبر،‭ ‬وأدمغة‭ ‬أصغر،‭ ‬وأطراف‭ ‬أقصر‭ ‬وأثخن‭. ‬وإذا‭ ‬قمت‭ ‬بتتبع‭ ‬الشمبانزي‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ،‭ ‬ستجد‭ ‬أنها‭ ‬تصبح‭ ‬بدورها‭ ‬أقرب‭ ‬شبها‭ ‬بهذا‭ ‬السلف‭ ‬المشترك‭. ‬وإذا‭ ‬عدت‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬إلى‭ ‬ملايين‭ ‬السنين،‭ ‬سيتقارب‭ ‬التاريخ‭ ‬التطوري‭ ‬للبشر‭ ‬والشمبانزي‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬وستجد‭ ‬أننا‭ ‬نشترك‭ ‬في‭ ‬قريب‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬فصيلة‭ ‬مختلفة‭ ‬تماما‭ – ‬هو‭ ‬ذلك‭ ‬السلف‭ ‬المشترك‭ ‬Common ancestor‭.‬

إن‭ ‬كل‭ ‬تقاطع‭ ‬في‭ ‬شجرة‭ ‬التطور،‭ ‬مثل‭ ‬المبيّن‭ ‬أدناه،‭ ‬يمثل‭ ‬سلفا‭ ‬مشتركا‭. ‬وإذا‭ ‬تتبعت‭ ‬الشجرة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬ستجد‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬سلفا‭ ‬مشتركا‭ ‬بين‭ ‬النسانيس‭ ‬والقردة،‭ ‬وبين‭ ‬جميع‭ ‬الثدييات،‭ ‬وبين‭ ‬جميع‭ ‬الحيوانات‭ ‬وهلم‭ ‬جرا‭. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬كل‭ ‬فرع‭ ‬من‭ ‬فروع‭ ‬شجرة‭ ‬التطور‭ ‬يتطور،‭ ‬مُنتجا‭ ‬أنواعا‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬الأحجام‭ ‬والأشكال‭ ‬والألوان‭.‬

لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختبار‭ ‬التطور

يحدث‭ ‬التطوّر‭ ‬ببطء‭ ‬شديد‭ ‬لدرجة‭ ‬يستحيل‭ ‬معها‭ ‬إثباته

عادة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬التطور‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ملايين‭ ‬السنين،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأجيال‭ ‬البشرية‭ ‬المتعاقبة‭ ‬لا‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نأمل‭ ‬بأن‭ ‬نرى‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬إثارة‭ ‬تطوّر‭ ‬الديناصورات‭ ‬إلى‭ ‬طيور‭. ‬وتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬يتعين‭ ‬انتقال‭ ‬التغيرات‭ ‬الجينية‭ ‬إلى‭ ‬أجيال‭ ‬متعددة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصير‭ ‬الآثار‭ ‬واضحة‭. ‬وإذا‭ ‬عاشت‭ ‬الحيوانات‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة،‭ ‬فمن‭ ‬الصعب‭ ‬مشاهدتها‭ ‬وهي‭ ‬تتطور‭ ‬أمام‭ ‬أعيننا‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬وقوع‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الحقيقي‭.‬

خلال‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية،‭ ‬مرت‭ ‬بريطانيا‭ ‬بفترة‭ ‬سريعة‭ ‬من‭ ‬التغير‭ ‬البيئي‭. ‬وأطلقت‭ ‬المصانع‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬السخام‭ ‬الذي‭ ‬غلّف‭ ‬الأشجار‭. ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الفراشات‭ ‬المرقطة‭ ‬Peppered moths‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬أشجار‭ ‬البتولا‭ ‬للتمويه،‭ ‬وكان‭ ‬لونها‭ ‬الباهت‭ ‬يمثل‭ ‬ميزة‭ ‬لأن‭ ‬الفراشة‭ ‬الداكنة‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬واضحة‭ ‬على‭ ‬اللحاء،‭ ‬فتتمكن‭ ‬الطيور‭ ‬من‭ ‬رصدها‭ ‬وأكلها‭ ‬بسرعة‭. ‬ولكن‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬جاء‭ ‬السخام،‭ ‬صار‭ ‬اللون‭ ‬الداكن‭ ‬ميزة‭. ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تضاعف‭ ‬عدد‭ ‬الفراشات‭ ‬الداكنة‭ ‬مع‭ ‬بقائها‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬وتمكنها‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬خصائصها‭ ‬الوراثية‭ ‬المفيدة‭ ‬إلى‭ ‬نسلها‭.‬

وإذا‭ ‬أردت‭ ‬مثالا‭ ‬من‭ ‬الحديقة‭ ‬الخلفية‭ ‬لمنزلك؛‭ ‬فقد‭ ‬ظللنا‭ ‬نحاكي‭ ‬التطور‭ ‬مع‭ ‬الكلاب‭ ‬طوال‭ ‬عدة‭ ‬قرون‭. ‬فنحن‭ ‬نختار‭ ‬الصفات‭ ‬التي‭ ‬نحبها،‭ ‬ولا‭ ‬نستولد‭ ‬سوى‭ ‬الكلاب‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭: ‬فتختار‭ ‬كلاب‭ ‬الصيد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حاستي‭ ‬الشمّ‭ ‬والبصر،‭ ‬كما‭ ‬نستولد‭ ‬كلاب‭ ‬الرعي‭ ‬بسبب‭ ‬فروها‭ ‬الكثيف‭ ‬الذي‭ ‬يقيها‭ ‬من‭ ‬تقلبات‭ ‬الطقس،‭ ‬ونُفضل‭ ‬كلاب‭ ‬البلدوغ‭ ‬بسبب‭ ‬وجوهها‭ ‬المفلطحة‭. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬هذا‭ ‬التطور‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬الكلاب‭ ‬يحدث‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬وما‭ ‬عليك‭ ‬إلا‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬المشكلات‭ ‬الصحية‭ ‬الناشئة‭ ‬في‭ ‬السلالات‭ ‬النقية‭ ‬لكي‭ ‬ترى‭ ‬التأثيرات‭ ‬عمليا‭.‬

يفسر‭ ‬التطورُ‭ ‬أصولَ‭ ‬الحياة

إذا‭ ‬كان‭ ‬التطور‭ ‬يفسّر‭ ‬الكيفية‭ ‬التي‭ ‬تغيرت‭ ‬بها‭ ‬الحياة،‭ ‬فمن‭ ‬المؤكد‭ ‬أنه‭ ‬يستطيع‭ ‬شرح‭ ‬كيف‭ ‬بدأ‭ ‬الأمر‭ ‬كله

يمكن‭ ‬أن‭ ‬يخبرنا‭ ‬التطور‭ ‬بالكثير‭ ‬عن‭ ‬سبب‭ ‬كون‭ ‬الحياة‭ ‬كما‭ ‬هي‭ ‬عليه،‭ ‬وكيف‭ ‬تتغير‭ ‬الحياة‭ ‬وتتكيف‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يدّعي‭ ‬تفسير‭ ‬كيف‭ ‬بدأت‭ ‬الحياة‭. ‬فقد‭ ‬أخذنا‭ ‬التطور‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭ ‬حتى‭ ‬آخر‭ ‬سلف‭ ‬مشترك‭ ‬عالمي‭ ‬“لوكا”‭ (‬LUCA‭) -‬وهو‭ ‬الكائن‭ ‬الحي‭ ‬الذي‭ ‬تطورت‭ ‬منه‭ ‬جميع‭ ‬أشكال‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭. ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬تتبع‭ ‬الجينات،‭ ‬ومقارنة‭ ‬جينات‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬التي‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬أقدم‭ ‬فرعين‭ ‬من‭ ‬شجرة‭ ‬الحياة‭ (‬العتائق‭ ‬Archaea‭ ‬والبكتيريا‭)‬،‭ ‬يقدّر‭ ‬أن‭ ‬“لوكا”‭ ‬عاش‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬3‭.‬8‭ ‬بليون‭ ‬سنة،‭ ‬وكان‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬100‭ ‬جين‭.‬

ويمكن‭ ‬لعلم‭ ‬التطور‭ ‬أن‭ ‬يزودنا‭ ‬بأدلة‭ ‬عما‭ ‬كان‭ ‬ضروريا‭ ‬لكي‭ ‬تبدأ‭ ‬الحياة،‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬بعد‭ ‬حل‭ ‬هذا‭ ‬اللغز،‭ ‬وجار‭ ‬حاليا‭ ‬تناوله‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬الذين‭ ‬يعملون‭ ‬عبر‭ ‬علوم‭ ‬البيولوجيا،‭ ‬والكيمياء‭ ‬وعلوم‭ ‬الأرض‭. ‬ولكن‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬بها‭ ‬الحياة،‭ ‬فالتطور‭ ‬يفسّر‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

كل‭ ‬شيء‭ ‬يحدث‭ ‬لسبب

للتطور‭ ‬هدف‭ ‬نهائي‭ ‬ويحاول‭ ‬حل‭ ‬مشكلة

يمكن‭ ‬للطريقة‭ ‬التي‭ ‬نتحدث‭ ‬بها‭ ‬عن‭ ‬التطور‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬الأمر‭ ‬يبدو‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تتطور‭ ‬لتكون‭ ‬أفضل،‭ ‬وأسرع،‭ ‬أو‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬البقية‭. ‬وفي‭ ‬الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬ليس‭ ‬له‭ ‬هدف‭ ‬على‭ ‬الإطلاق،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬النتائج‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬عن‭ ‬الكمال‭. ‬ويحدث‭ ‬التطور‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬بسبب‭ ‬الطفرات‭ ‬الجينية،‭ ‬التي‭ ‬تحدث‭ ‬بشكل‭ ‬عشوائي‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬ما‭. ‬وتساعد‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الاختلافات‭ ‬الكائنات‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭ ‬قليلا‭ ‬أو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬نسل‭ ‬أكثر،‭ ‬ويتم‭ ‬نقل‭ ‬هذه‭ ‬الجينات‭ ‬المفيدة‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬القادم‭. ‬فيما‭ ‬تؤدي‭ ‬تغيرات‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬الحياة‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭.‬

تحدد‭ ‬البيئة‭ ‬والظروف‭ ‬التي‭ ‬تجد‭ ‬الكائنات‭ ‬نفسها‭ ‬فيها‭ ‬أي‭ ‬هذه‭ ‬الطفرات‭ ‬العشوائية‭ ‬سيكون‭ ‬مفيدا‭ ‬وأيها‭ ‬لا‭. ‬قد‭ ‬يرجع‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬المناخ،‭ ‬أو‭ ‬الحيوانات‭ ‬المفترسة،‭ ‬أو‭ ‬توفر‭ ‬الغذاء‭ ‬أو‭ ‬الانجذاب‭ ‬لزوج،‭ ‬لكن‭ ‬مهما‭ ‬كانت‭ ‬طريقة‭ ‬اختيار‭ ‬السمات،‭ ‬فهي‭ ‬تخضع‭ ‬لتغيرات‭ ‬تدريجية‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬هدف‭ ‬نهائي‭ ‬في‭ ‬الأفق‭.‬

يعمل‭ ‬التطور‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬التجربة‭ ‬والخطأ،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬النتائج‭ ‬النهائية‭ ‬ليست‭ ‬دائما‭ ‬جيدة‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭. ‬مثلا،‭ ‬تنطوي‭ ‬العين‭ ‬البشرية‭ ‬على‭ ‬عيب‭ ‬خطير‭: ‬تمر‭ ‬الأوعية‭ ‬الدموية‭ ‬والأعصاب‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬أمام‭ ‬الخلايا‭ ‬المكتشفة‭ ‬للضوء،‭ ‬وتحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬الجزء‭ ‬الخلفي‭ ‬من‭ ‬العين‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الدماغ،‭ ‬وهذا‭ ‬يخلق‭ ‬بقعة‭ ‬عمياء‭. ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬تدريجية‭ ‬أدى‭ ‬إليها‭ ‬تطوّر‭ ‬أعيننا،‭ ‬لكنها‭ ‬بالتأكيد‭ ‬ليست‭ ‬الطريقة‭ ‬‘الأفضل’‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬ترتيب‭ ‬الأشياء‭ ‬بها‭.‬

إن‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬لا‭ ‬تريد،‭ ‬أو‭ ‬تحاول،‭ ‬أو‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتطوّر،‭ ‬فهي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬فحسب‭- ‬أما‭ ‬النتائج‭ ‬فهي‭ ‬مذهلة‭ ‬وغير‭ ‬متوقعة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

العين‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدا‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬تطورت

لا‭ ‬فائدة‭ ‬في‭ ‬نصف‭ ‬عين‭ ‬،‭ ‬فكيف‭ ‬تطورت‭ ‬هذه‭ ‬الآلات‭ ‬البصرية‭ ‬المعقدة؟

حتى‭ ‬داروين‭ ‬وجد‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬تخيّل‭ ‬أن‭ ‬العينين‭ ‬كانتا‭ ‬نتاجا‭ ‬للتطور،‭ ‬لكنك‭ ‬إذا‭ ‬نظرت‭ ‬إليها‭ ‬خطوة‭ ‬بخطوة،‭ ‬سيبدأ‭ ‬المغزى‭ ‬يتكشف‭ ‬أمامك‭. ‬عند‭ ‬أبسط‭ ‬مستوى،‭ ‬تمثل‭ ‬العينان‭ ‬بقعا‭ ‬أو‭ ‬رقعا‭ ‬من‭ ‬الصبغات‭ ‬التي‭ ‬تستجيب‭ ‬لأشعة‭ ‬الشمس‭. ‬فإذا‭ ‬وجدت‭ ‬هذه‭ ‬الصبغات‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬مستوٍ،‭ ‬فستستشعر‭ ‬النور‭ ‬والظلام‭ ‬فقط،‭ ‬ولكن‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬حشرها‭ ‬داخل‭ ‬حفرتين،‭ ‬فيمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬لمعرفة‭ ‬الاتجاه‭ ‬الذي‭ ‬يأتي‭ ‬منه‭ ‬الضوء‭. ‬وبعد‭ ‬ذلك،‭ ‬إذا‭ ‬صارت‭ ‬الحفرتان‭ ‬أعمق‭ ‬قليلا،‭ ‬وبدأت‭ ‬الفتحة‭ ‬بالإغلاق،‭ ‬فستشكل‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬كاميرا‭ ‬ذات‭ ‬ثقب‭ ‬Pinhole camera‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تقييد‭ ‬الضوء‭ ‬الوارد‭ ‬وإنتاج‭ ‬صور‭ ‬فعلية‭. ‬وإذا‭ ‬تمت‭ ‬تغطية‭ ‬هذا‭ ‬الثقب‭ ‬بطبقة‭ ‬من‭ ‬الخلايا‭ ‬الشفافة،‭ ‬فيمكن‭ ‬أن‭ ‬تمتلئ‭ ‬الحفرة‭ ‬بسائل،‭ ‬مما‭ ‬يسمح‭ ‬للعدسة‭ ‬بالبدء‭ ‬بتشكيل‭ ‬بلورات‭ ‬بداخلها‭. ‬وتفيد‭ ‬هذه‭ ‬العدسة‭ ‬في‭ ‬التركيز،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الصور‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭.‬

ومن‭ ‬شأن‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التكيفات‭ ‬الصغيرة‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬الكائن‭ ‬الحي‭ ‬أفضلية‭ ‬طفيفة‭ ‬في‭ ‬بيئته،‭ ‬مثل‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬الصيد‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬فعالية‭ ‬أو‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬الحيوانات‭ ‬المفترسة‭ ‬من‭ ‬مسافة‭ ‬أبعد‭. ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬أجيال‭ ‬عديدة،‭ ‬يتم‭ ‬انتقاء‭ ‬نوع‭ ‬التكيف،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬شكل‭ ‬عين‭ ‬النوع‭ ‬الحي‭ ‬يتغير‭ ‬تدريجيا‭.‬

أليست‭ ‬هناك‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬السجل‭ ‬الأحفوري؟

ستُثبت‭ ‬الحلقات‭ ‬المفقودة‭ ‬في‭ ‬الأحافير‭ ‬خطأ‭ ‬التطور

سيكون‭ ‬رائعا‭ ‬لو‭ ‬تمكّنا‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬الخطوط‭ ‬التاريخية‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تتبّع‭ ‬تطور‭ ‬الأنواع‭ ‬الحديثة‭ ‬خطوة‭ ‬بخطوة،‭ ‬لكن‭ ‬الأحافير‭ ‬نادرة‭ ‬للغاية‭. ‬ومن‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬أنواع‭ ‬الثدييات‭ ‬المهددة‭ ‬حاليا‭ ‬بالانقراض،‭ ‬لا‭ ‬نعلم‭ ‬بوجود‭ ‬أحافير‭ ‬سوى‭ ‬لتسعة‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬منها‭ ‬فقط‭. ‬وفي‭ ‬المستقبل،‭ ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الوراء،‭ ‬سيبدو‭ ‬الأمر‭ ‬وكأن‭ ‬النسبة‭ ‬المتبقية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭.‬

لا‭ ‬تتشكل‭ ‬الأحافير‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭. ‬وحتى‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الحيوانات‭ ‬ذات‭ ‬النوع‭ ‬المناسب‭ ‬من‭ ‬الجسم،‭ ‬فإن‭ ‬تشكّل‭ ‬الأحافير‭ ‬يعتمد‭ ‬كثيرا‭ ‬على‭ ‬كيف،‭ ‬وأين،‭ ‬ماتت‭ ‬تلك‭ ‬الحيوانات‭. ‬ففي‭ ‬الأدغال،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تلتهم‭ ‬الكائنات‭ ‬الأخرى‭ ‬أجساد‭ ‬الحيوانات‭ ‬النافقة،‭ ‬مما‭ ‬يمحو‭ ‬جميع‭ ‬آثارها‭. ‬وبسبب‭ ‬هذا،‭ ‬فلا‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬ثغرات‭ ‬في‭ ‬السجل‭ ‬الأحفوري‭.‬

ولكننا‭ ‬نعثر‭ ‬على‭ ‬أحافير‭ ‬جديدة‭ ‬باستمرار،‭ ‬كما‭ ‬تعرفنا‭ ‬إلى‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأنواع‭ ‬“الانتقالية”‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬النظرية‭ ‬التطورية‭. ‬لنأخذ‭ ‬الحصان،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭. ‬تمتلك‭ ‬الخيول‭ ‬اليوم‭ ‬سنبكا‭ ‬Toe‭ ‬واحدا،‭ ‬لكنها‭ ‬تطورت‭ ‬من‭ ‬أسلاف‭ ‬بحجم‭ ‬الكلب‭ ‬كانت‭ ‬لها‭ ‬أرجل‭ ‬متعددة‭ ‬السنابك‭. ‬ويبيِّن‭ ‬السجل‭ ‬الأحفوري‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الخطوات‭ ‬المتوسطة‭ ‬تبيِّن‭ ‬كيف‭ ‬فُقدت‭ ‬السنابك،‭ ‬وقصُرت‭ ‬واندمجت‭ ‬لتشكيل‭ ‬الحوافر‭ ‬المألوفة‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬اليوم‭.‬

‭ ‬توجّه‭ ‬خرافة‭ ‬الانتخاب‭ ‬الطبيعي‭ ‬كافة‭ ‬خطوات‭ ‬التطور

هل‭ ‬البقاء‭ ‬للأصلح‭ ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الوحيد‭ ‬لحدوث‭ ‬التطور؟

يمكن‭ ‬للطفرات‭ ‬العشوائية‭ ‬في‭ ‬الجينات‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬بعض‭ ‬الأفراد‭ ‬مختلفين‭ ‬قليلا‭ ‬عن‭ ‬الآخرين،‭ ‬مما‭ ‬يُحدث‭ ‬التباين‭ ‬الجيني‭. ‬ويمكن‭ ‬للحيوانات‭ ‬المفترسة،‭ ‬والمنافسة،‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬البيئية‭ ‬أن‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية،‭ ‬فيكون‭ ‬من‭ ‬يمتلك‭ ‬أكثر‭ ‬التكيفات‭ ‬فائدة‭ ‬أقرب‭ ‬احتمالا‭ ‬للبقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬وللتكاثر،‭ ‬وتوريث‭ ‬جيناته‭ ‬لنسله‭. ‬تسمى‭ ‬هذه‭ ‬العملية‭ ‬بالانتخاب‭ ‬الطبيعي‭ ‬Natural selection‭ ‬يشتهر‭ ‬داروين‭ ‬بوصفها،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬الطريقة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬بها‭ ‬التطور‭. ‬فهناك‭ ‬آلية‭ ‬مهمة‭ ‬أخرى‭ ‬يطلق‭ ‬عليها‭ ‬اسم‭ ‬الجنوح‭ ‬الجيني‭ ‬Genetic drift‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬الحالة،‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬انتخاب‭ ‬الكائن‭ ‬لامتلاكه‭ ‬سمات‭ ‬معينة،‭ ‬فهي‭ ‬تُفقد‭ ‬أو‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬شيوعا‭ ‬بسبب‭ ‬حدث‭ ‬عشوائي‭. ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬هذا‭ ‬إذا‭ ‬تباعدت‭ ‬المجموعات‭ ‬السكانية،‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬قُتل‭ ‬بعض‭ ‬الأفراد،‭ ‬وخاصة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬حجم‭ ‬المجموعة‭ ‬السكانية‭ ‬صغيرا‭.‬

ما‭ ‬التطور‭ ‬إلا‭ ‬’مجرد’‭ ‬نظرية

نحن‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬اليقين‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬يحدث‭ ‬بالفعل

من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬نجادل‭ ‬في‭ ‬شأن‭ ‬هذه‭ ‬النقطة،‭ ‬بالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬كلمة‭ ‬“نظرية”‭ ‬موجودة‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬العنوان،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬الحقيقية‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬كلمة‭ ‬‘مجرد’‭. ‬وفي‭ ‬العلم،‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬‘مجرد’‭ ‬نظرية‭. ‬ففي‭ ‬محادثة‭ ‬عامة،‭ ‬تستخدم‭ ‬كلمة‭ ‬“نظرية”‭ ‬بالتبادل‭ ‬مع‭ ‬كلمات‭ ‬مثل‭ ‬‘حدس’،‭ ‬و’تخمين’‭ ‬و‭ ‬‘اعتقاد’‭. ‬إنها‭ ‬وسيلة‭ ‬مبهمة‭ ‬للإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أنك‭ ‬تظن‭ ‬أن‭ ‬شيئا‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬صحيحا،‭ ‬لكنك‭ ‬لا‭ ‬تمتلك‭ ‬جميع‭ ‬الأدلة‭ ‬التي‭ ‬تسند‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬العلوم‭: ‬تستند‭ ‬أية‭ ‬نظرية‭ ‬علمية‭ ‬على‭ ‬كم‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الأدلة‭. ‬فهناك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬العلمية‭ ‬الراسخة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬التطور،‭ ‬التي‭ ‬تتمحور‭ ‬حول‭ ‬نظريات‭- ‬مثل‭ ‬أن‭ ‬الأرض‭ ‬تدور‭ ‬حول‭ ‬الشمس‭ (‬نظرية‭ ‬مركزية‭ ‬الشمس‭) ‬وأن‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬تتألف‭ ‬من‭ ‬خلايا‭ (‬نظرية‭ ‬الخلية‭). ‬وهي‭ ‬توفر‭ ‬تفسيرا‭ ‬شاملا‭ ‬لما‭ ‬نراه،‭ ‬ويمكن‭ ‬استخدامها‭ ‬للتنبؤ‭ ‬بما‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭. ‬هناك‭ ‬أدلة‭ ‬مقنعة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬التطور،‭ ‬وقد‭ ‬تأكّدت‭ ‬هذه‭ ‬النظرية‭ ‬مرارا‭ ‬بطرق‭ ‬مختلفة‭. ‬ويشير‭ ‬السجل‭ ‬الأحفوري،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬اكتماله،‭ ‬إلى‭ ‬تطور‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭ ‬على‭ ‬مرِّ‭ ‬الزمن‭. ‬ويدعم‭ ‬ذلك‭ ‬أوجه‭ ‬التشابه‭ ‬الوراثي‭ ‬والفيزيائي‭ ‬والكيميائي‭ ‬بين‭ ‬الكائنات‭ ‬الحية‭. ‬وهناك‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأمثلة‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬كائنات‭ ‬تتغيّر‭ ‬بوضوح‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬أجيال‭ ‬متعددة‭. ‬وكلما‭ ‬زاد‭ ‬عدد‭ ‬الأدلة‭ ‬التي‭ ‬يجدها‭ ‬العلماء،‭ ‬سيزداد‭ ‬تعزيزها‭ ‬لأفكار‭ ‬داروين‭. ‬ليس‭ ‬التطور‭ ‬‘مجرد’‭ ‬نظرية،‭ ‬لأنه‭ ‬في‭ ‬العلوم،‭ ‬تتسم‭ ‬النظرية‭ ‬بكونها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أقوى‭ ‬الحجج‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تقديمها‭ ‬وأكثرها‭ ‬إقناعا‭. ‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق