الطب وصحةملف خاص

جسم عــداء

كيف يدفع عداؤو التحمل أجسامهم إلى حدودها القصوى، فيغيرون فسيولوجيتها إلى الأبد

بقلم: لورا ميرز

ركض الماراثون Marathon من أصعب فعاليات الركض على الأرض، لكن يوم السباق لا يمثل سوى جزء ضئيل من التحدي. وفي المتوسط، يستغرق العداء أربع ساعات ونصف لإكمال السباق البالغ طوله 42.2 كم، ولكن قبل ذلك يجب أن يتحمل شهوراً من التدريب. وخلال هذه الفترة، يركض العداؤون في المتوسط لمسافة 80 كم أو أكثر في الأسبوع، مما يغير نسيج أجسامهم تغيرا كبيرا.

يستنزف سباق الماراثون آلاف السعرات الحرارية، لذلك يحدث أول تحول رئيسي في فسيولوجية جسد العداء في استهلاك الطاقة. للجسم ثلاثة أنظمة للطاقة توفر الوقود للعضلات العاملة، وكلها تعتمد على جزيء صغير يسمى ATP، وهو اختصار أدينوزين ثلاثي الفوسفات Adenosine Triphosphate- أي جزيء من الأدينوزين مرتبط بثلاث مجموعات من الفوسفات. وعندما تنقبض العضلات تنفصل إحدى مجموعات الفوسفات في الجزئ ATP، فتحوّل ثلاثي الفوسفات إلى ثنائى فوسفات يسمى ADP. ولمواصلة الرياضة، فإن الجسم يحتاج إلى عكس تلك العملية.

تميل العضلات غير المدربة إلى استخدام طرق سريعة ومُسرفة لإنجاز ذلك في أسرع وقت ممكن. وتستخدم أبسط الطرق جزيئا يسمى فوسفات الكرياتين Creatine phosphate، الذي تخزنه العضلات للاستعمال في حالات الطوارئ. ويمكن لكل جزيء منه أن يمنح على الفور مجموعة فوسفات لتحويل الـ ADP إلى ATP مرة أخرى، لكن الإمدادات تستمر لمدة دقيقتين فقط. عندما تنفد، تتوجه العضلات إلى السكر للحصول على الدعم.
تحمل كل عضلة مخزوناً من الكربوهيدرات يسمى الغليكوجين Glycogen، والذي يتحلل إلى الغلوكوز Glucose. ومع المزيد من المعالجة، فإن الطاقة المحتواة بداخله تعوّض جزيئات ADP المستهلكة. وأسرع طريقة للقيام بذلك هي من دون الأكسجين، بتحويل الغلوكوز إلى حمض اللاكتيك Lactic acid في عملية تسمى تحلّل السكر اللاهوائي Anaerobic glycolysis. وعلى الرغم من أنه قد يكون سريعاً، إلا أن تحلل السكر اللاهوائي يُنهك العضلات
ويجعلها تُهدر الطاقة. وبمجرد أن يبدأ حمض اللاكتيك بالتراكم، يبدأ الجسم بالشعور بالتعب.

أحد الأهداف الحاسمة للتدريب على الماراثون هو تعليم العضلات أن تكبح تحلّل السكر اللاهوائي لأطول فترة ممكنة. ويريد عداؤو التحمل لعضلاتهم أن تحرق الغلوكوز باستخدام الأكسجين – وهي الطريقة الأكثر فعالية لتحويل الجزيئات ADP إلى ATP.

تُعرف النقطة التي تتحول فيها العضلات من استخدام الأكسجين إلى إنتاج حمض اللاكتيك بـ‘عتبة اللاكتات’ Lactate threshold، ويرفعها التدريب على الماراثون. وتعتمد عتبة اللاكتات على العديد من العوامل، ولكن أحد أهمها هو السعة القصوى للأكسجين VO2 max – أي قدرة الجسم على امتصاص الأكسجين أثناء التمرين. وتزيد هذه السعة بشكل كبير مع التدريب – لدى الرياضيين سعة قصوى للأكسجين تصل إلى ضعف ما لدى الأشخاص الخاملين بدنيا.
يؤدي ركض المسافات الطويلة إلى زيادة سماكة الجانب الأيسر من القلب وزيادة كمية الدم في الجسم. وتعمل هذه العوامل معاً على زيادة حجم الدم الذي يُضخ مع كل نبضة قلب، مما يوفر المزيد من الأكسجين للعضلات العاملة. فهذا أمر بالغ الأهمية خلال الماراثون عندما يستخدم العداؤون أكثر من %90 من أقصى نتاج للقلب  - أي أقصى كمية يمكن أن يضخها قلبهم فعلياً. ويساعد تحسين إمدادات الأكسجين للعضلات على حرق الغلوكوز بكفاءة لفترة أطول. ومع ذلك، لتغيير عتبة اللاكتات أكثر، يحتاج الجسم إلى إجراء المزيد من التغييرات.

في العدائين غير المدربين، يبدأ إنتاج حمض اللاكتيك بالارتفاع عند نحو %60 من السعة القصوى للأكسجين. مع التدريب، يمكن أن يتغير هذا الحاجز إلى %75. وفي نخبة الرياضيين قد تصل عتبة اللاكتات إلى %90 من السعة القصوى للأكسجين. إلى جانب التحسينات في السعة القصوى للأكسجين، يعمل هذا بشكل أساسي على مضاعفة مقدار الطاقة التي يمكن للعدائين ذوي الخبرة توليدها قبل بلوغ عتبة اللاكتات.

يرجع جزء من زيادة القوة التي تحققها تدريبات التحمّل إلى حدوث تغيرات بنيوية في العضلات نفسها. وتمتلئ كل خلية عضلية بمصانع مصغرة للطاقة تسمى الميتوكوندريا Mitochondria. ففي التاريخ التطوري القديم كانت هذه المصانع فيما مضى بكتيريا حرة، ولا يزال لديها حمضها النووي DNA الخاص. ويعني هذا أنها تستطيع الانقسام والنمو في داخل خلايانا- وهي ظاهرة تعرف بالنشوء الحيوي Biogenesis للميتوكوندريا. ويزيد تدريب التحمل بشكل كبير من أعداد الميتوكوندريا، وعندما يحدث ذلك، تزداد قدرة كل خلية على إنتاج الجزئ ATP باستخدام الأكسجين.

يكون التأثير قوياً بشكل خاص في الألياف العضلية من النوع الأول Type I muscle fibres، والمعروفة أيضاً بالألياف العضلية ‘بطيئة الارتعاش’ Slow twitch- وهي المستخدمة في تمارين التحمل Endurance exercise. ولكن ذلك يحدث أيضاً في النوع الثاني Type II، أو الألياف العضلية ‘السريعة’ Fast، والتي تفضل عادةً إنتاج حمض اللاكتيك.

ويحسِّن التدريب على الماراثون من إمدادات الأكسجين في العضلات ويزيد القدرة على إنتاج الطاقة. ولكنه يلزم عنصر آخر لاسترداد وقود الجزئ ATP المستنفد. فالسكر هو أسهل إمدادات الوقود التي يمكن للعضلات استخدامها. ولكل عضلة مخزنها الخاص للسكر، ويزيد التدريب هذه السعة، مما يسمح للعدائين بتخزين المزيد من الكربوهيدرات في كل خلية قبل يوم السباق. ولكن حتى أقوى رياضيي النخبة لا يمكنهم تخزين كمية كافية من السكر لإنهاء سباق الماراثون.
يمكن للعضلات غير المدربة أن تحمل ما يكفي من الكربوهيدرات للركض لمدة 40 دقيقة. ومع التدريب، ترتفع هذه القدرة إلى 70 دقيقة. وهناك مخزن للغليكوجين في الكبد يضيف 15 دقيقة أخرى. ولكن حتى عند استهلاكها بالكامل، فإن هذه الإمدادات أقل بساعات عن متوسط زمن إنهاء الماراثون.
يمكن لتناول المزيد من السكر أثناء السباق أن يساعد على الحفاظ على الجسم مشحوناً. ولكن المعدة لا تُفرغ بالسرعة المعتادة عند الركض، خاصة عندما يحتوي الطعام والشراب على كثير من السكر. والطريقة الوحيدة للحصول على الطاقة في الماراثون هي إيجاد مصدر آخر للطاقة.

تدريبات التحمل تمكّن الجسم من استخدام الدهون. ويحتوي احتياطي الوقود هذا على أكثر من 3,000 سعرة حرارية في كل 0.5 كغم. في أفضل رياضيي النخبة، تكون الدهون هي مصدر الطاقة الرئيسي، حتى عندما يركضون بنسبة %85 من طاقتهم القصوى. ولكن في العدائين غير المدربين، حتى في وجود الكثير من الأكسجين، لا يستطيع الجسم تكسير الدهون بسرعة كافية للحفاظ على عمل العضلات. تُحسِّن تدريبات التحمل Endurance training قدرة العضلات على استخدام الدهون كوقود. وبمرور الوقت، تبدأ الخلايا العضلية بإنتاج المزيد من الإنزيمات التي تحتاج إليها لتكسير الدهون، وتتوقف عن الاعتماد بشدة على السكر.

التغيير الأخير الذي يُحدثه الجسم أثناء التدريب على الماراثون هو تغيير كيفية استخدامه لكل هذه الطاقة الإضافية- أي ‘اقتصاد الركض’ Running economy. كلما زادت كفاءة حركات العداء، قلّ الأكسجين والوقود الذي يحتاج إلى حرقه للركض بالسرعة نفسها. وتتراوح التحسينات هنا من التعديل الطفيف لطول الخطوة حتى التغيرات الرئيسية في تنظيم العضلات.

وعلى عكس رفع الأثقال Weightlifting، لا تزيد تدريبات التحمل من حجم العضلات، بل تميل إلى جعل العضلات والألياف العضلية أرق. ولكن هذا مفيد. ويساعد انخفاض الحجم المغذيات والفضلات على التحرك بسهولة أكبر، داخل الخلايا العضلية ومن وإلى السوائل المحيطة بها. وفي الوقت نفسه، يزداد عدد الأوعية الدموية الصغيرة حول كل ليف عضلي. ويحافظ ذلك على دخول المغذيات الطازجة وطرد الفضلات، مما يساعد العضلات على العمل لفترة أطول دون تعب.

تستمر آثار التدريب في الماراثون لفترة طويلة بعد انتهاء يوم السباق. وتنخفض كتلة الجسم إذ تستهلك العضلات احتياطيات الدهون الزائدة، وتنخفض دهون الدم المعروفة بالغلسيريدات الثلاثية Triglycerides ويرتفع مستوى الكوليسترول HDL الحميد. وكذلك، ينخفض معدل ضربات القلب أثناء الراحة، وهو مقياس لصحة القلب. ولكن هذه التأثيرات القوية في الجسم لا تخلو من المخاطر. وتشير التقديرات إلى أن العدائين المبتدئين يتحملون 30 إصابة لكل 1,000 ساعة يقضونها على الطريق. وفي كل عام يصاب نحو 1 من كل 3 عدائين مبتدئين. ولكن وفقا للأطباء، فإن الفوائد الطويلة الأمد لتدريبات التحمل تفوق بكثير هذه المخاطر.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى