تكنولوجيا

العملات المُرمَّزة

كيف يُصنع البيتكوين، ولماذا يغير البلوك تشين (سلسلة الكتل) كيفية عملنا على الإنترنت؟

بقلم: ستيفن آشبي

ربما سمعت عن البيتكوين Bitcoin. في نهاية عام 2017، حقق ازدهار سوقها ثراء هائلا لكثير من الناس. وفي غضون أسابيع، ارتفعت قيمة البيتكوين الواحد من نحو 2,300 جنيه إسترليني إلى نحو 15000 جنيه إسترليني (3000 إلى 19300 دولار). وصار بعض مالكي البيتكوين بالفعل من أصحاب الملايين، بينما جمع آخرون مدخراتهم في محاولة لتحقيق ربح سريع. ولكن ما هو البيتكوين؟ إنه بالتأكيد ليس شيئاً يمكنك الإمساك به أو الاحتفاظ به في كيس نقودك. ولا يمكنك استخدامه في السوق المركزي، ولا أحد يصنع «عملات» البيتكوين الملموسة.
ويرجع هذا لأنه عملة مُرمَّزة، والتي يمكن «تعدينها» باستخدام الحواسيب لحل الألغاز الرياضياتية. صار كل ذلك ممكنا بفضل تقنية تسمى البلوك تشين (سلسلة الكتل) Blockchain، والتي تغير طريقة عمل الشركات والأشخاص حول العالم. ربما كان البيتكوين هو الظاهر في عناوين الأخبار، لكن هذه العملة المُرمَّزة لم تكن لتوجد سوى بفضل البلوك تشين.
لنتعرف على كيفية عمل كل منهما.

العناصر الأساسية
سنبدأ بالبلوك تشين، لأنه الأساس الذي تبنى عليه العملات المُرمَّزة. فهناك الكثير جداً من الاستخدامات المختلفة للبلوك تشين، ولا تمثل العملات المُرمَّزة مثل البيتكوين سوى واحدة منها. والبلوك تشين هو أساسا دفتر حسابات رقمي، فهو يتيح للأشخاص والشركات تسجيل المعاملات وتتبع الأصول، إذ تخزّن جميع السجلات بشكل آمن عبر أجهزة متعددة. وقد يكون «الأصل» Asset أي شيء من سيارة أو منزل إلى براءة اختراع أو شعار محمي بحقوق الطبع والنشر. وتشارك البلوك تشين نفسه بين عدة مستخدمين، وعندما تُجرى معاملة جديدة ستحدّث لدى الجميع في الوقت نفسه. وتسجّل كل معاملة وتخضع للتعقب عبر الشبكة الكاملة من المستخدمين المتصلين، ومن ثمَّ لا يمكنك تعديل أي شيء لاحقاً؛ فالمعلومات تسجّل إلى الأبد. ولكن ما فائدة ذلك؟ لكي نفهم، دعونا ننظر إلى البلوك تشين المستخدم في سياق شراء منزل. وتتضمن العملية كثيراً من الأشخاص. ويبدأ الأمر بشركة البناء التي تشتري الأرض من شخص ما. وتحصل شركة البناء على تصريح من دائرة التخطيط، وتبني منزلا في الموقع ثم تسجل العنوان لتوصيل المياه والغاز والكهرباء إليه، إضافة إلى خط الهاتف. وعند الانتهاء من بنائه، تعثر شركة البناء على مشتر، فتُنقل الملكية إليه في مقابل بعض المال. ومن دون البلوك تشين، فإن كل هذه المعلومات، من تفاصيل ملكية الأراضي إلى السعر النهائي ومعلومات المرافق، يجب أن تسجّل من قبل مرافق منفصلة- شركات الكهرباء والغاز والمياه، مثلا. ومن ثمَّ سينجز كل ذلك في أماكن مختلفة، وبالنسبة إلى المشتري، قد يكون تنفيذها صعباً ويستغرق وقتاً طويلاً. وإضافة إلى ذلك، إذا حدث أي خطأ أثناء العملية، فقد يتسبب في حدوث مشكلات لاحقاً، والتي سيحاول الجميع تحديد موضع الخطأ فيها.
الآن، دعونا نفكر في كيفية تحسين البلوك تشين لتلك العملية. وفي كل نقطة من السلسلة، ستُنشأ كتلة جديدة في البلوك تشين وتُضاف إلى الكتل السابقة. ويمكن للمُنشئ أن يضيف بيانات تسجيل الأراضي ومستندات التخطيط وتفاصيل المرافق. ويمكنه أيضاً إضافة معلومات قانونية مفيدة، مثل الشخص المسؤول عن إصلاح السياج إذا انهار. وبعد ذلك، عندما يكتمل بناء المنزل، ويمكن للمشتري الدخول إلى البلوك تشين لرؤية جميع المعلومات التي يحتاج إليها عن المنزل في مكان واحد مؤمّن. وبهذه الطريقة، يمكن إنشاء سلسلة واحدة من البيانات ومشاركتها بسهولة مع من يحتاجون إليها. وإذا قرر المشتري بيع المنزل لاحقاً، ستكون لديه جميع المعلومات التي يحتاج إليها، كما أن الشخص الذي يشتريها منه يكون واثقا من أن جميع المعلومات صحيحة وقانونية لأنه لا يمكن تحرير أو تعديل البلوك تشين. إنه مؤمّن، ويجعل كل من خطوات العملية أسرع وأسهل. هذا مجرد مثال صغير، ولكن عندما تفكر فيما يمكن أن يعنيه هذا بالنسبة إلى لشركات الكبرى، إذ يكون طلب الأجزاء أو بيع المنتجات الإلكترونية حدثاً يومياً، يمكنك أن ترى السبب في أنه يغيّر طريقة عمل الناس.

ماذا عن البيتكوين؟
في حين أن البلوك تشين يجعل معاملات مثل التي ذكرت أعلاه أكثر أمنا، فإن القيود المفروضة على عملات مثل الدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني يمكن أن تبطئ عمليات الشراء والبيع. ويكلف تحويل الأموال نقوداً، وقد يمضي بعض الوقت لكي يوافق على التحويلات. وفي عالم الأعمال، يمثل ضياع الوقت خسارة للمال. والعملات المُرمَّزة مثل البيتكوين لا تشبه العملات العادية، فلا يوجد بنك مركزي يتحكم فيها. وبدلاً من ذلك، تستطيع الحواسيب القوية حل الألغاز الرياضياتية المعقدة من أجل «تعدين» تلك العملات بمرور مرور الوقت. وعلى عكس العملات العادية (التي يمكن للبنوك وحدها أن تطبع المزيد منها)، هناك عدد محدود من عملات البيتكوين التي يمكن إصدارها. لن يوجد منها سوى 21 مليون عملة في أي وقت، ولا يمكن تعدين سوى عدد قليل من العملات الجديدة في كل ساعة. وسينخفض المعدل الذي تظهر به ببطء حتى لا يمكن تعدينها على الإطلاق. ويمكن تنفيذ كل هذا بفضل البلوك تشين. وتسجّل سلسلة البيتكوين مقدار ما يمتلكه أي شخص، ويُبث ذلك بشكل مؤمّن عبر العالم. ولا يمكنك مجرد تغيير سجلاتك لتقول إن لديك قدرا من البيتكوين أكبر مما لديك بالفعل- فالبلوك تشين يحتفظ بسجل واضح يُحَدث باستمرار. وفي مثال المنزل أعلاه، يُستخدم بلوك تشين خاصاً. ولن يتمكن سوى المستخدمين الذين دُعوا للانضمام إلى السلسلة من الوصول إلى الكتل ومن ثمَّ يمكنهم رؤية البيانات. وبعض الأشخاص في السلسلة، مثل الوكيل العقاري، لا يؤذن لهم سوى برؤية كمية محدودة من المعلومات ضمن السلسلة.
وشبكة البيتكوين مفتوحة، ومن ثمَّ يمكن مراقبة نزاهة المعاملات بسهولة. كما إنها تجعل عمليات التحويل أكثر خصوصية بسبب انتفاء الحاجة للتحقق من الهوية. وعندما يدخل أحدهم معاملة، يبحث بروتوكول الشبكة في التعاملات السابقة لتلك العملة لتأكيد أن المرسل لديه ما يكفي من عملات البيتكوين وأنه مخوّل بإرسالها. وإذا كان الأمر كذلك، فستنفّذ المعاملة. وقد يبدو هذا مشبوهاً، ولكن في الواقع، تساعد المحفظة الفريدة في تحديد هوية المستخدمين، ويمكن لجهات إنفاذ القانون استخدام هذا المعرّف لتتبع المستخدمين إذا لزم الأمر. وإضافة إلى ذلك، ينبغي بموجب القانون أن تشتمل معظم المعاملات على معرّف يسجل عملية التحويل. ولأنه يسجّل على شبكة مفتوحة، فهو يجعل البيتكوين عملة غير ملائمة للمجرمين. وأخيراً، فمثل جميع التحويلات التي تُؤدى عبر البلوك تشين، فلا يمكن تعديل أو عكس أي معاملة بمجرد اكتمالها. وفي الواقع، الطريقة الوحيدة للتراجع عن المعاملة هي إجراء معاملة مماثلة في الاتجاه المعاكس. وفي هذه الحالة، يمكن تتبّع كلتا المعاملتين في السلسلة بالكامل، بحيث يراهما الجميع. ويجعل ذلك من العملات المُرمَّزة مثل البيتكوين طريقة آمنة للغاية للتداول. وهناك الكثير من أنواع العملات المُرمَّزة، ولكن البيتكوين هو أكبرها بالتأكيد، وعلى الرغم من أنه ليس الاستخدام الوحيد للبلوك تشين، فمن المؤكد أنه أشهرها. ومع ذلك، فإن تقنية البلوك تشين لديها إمكانات هائلة، وكثير من الشركات تستخدمها بالفعل لإجراء معاملات سريعة ومؤمّنة. لا نعلم حتى الآن إن كانت ستصبح شيئاً يستخدمه عموم الجمهور يوميا أم لا، لكنها تمتلك بالتأكيد القدرة على تغيير الطريقة التي نعيش بها.

تسوق لمجلتك المفضلة بأمان
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى