بيولوجياعلم الحيوان

العلم المدهش لبقاء الحيوانات على قيد الحياة

تعيش‭ ‬الحيوانات‭ ‬حياة‭ ‬صعبة‭. ‬لكن‭ ‬استخدام‭ ‬قوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬يساعدها‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭.‬

حياتنا‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬سهلة؛‭ ‬فإذا‭ ‬شعرنا‭ ‬بالجوع‭ ‬فسنجد‭ ‬متجرنا‭ ‬المحلي‭ ‬يوفر‭ ‬لنا‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬التفاح‭ ‬إلى‭ ‬فطيرة‭ ‬الجبن‭ ‬المجمّدة‭. ‬وإذا‭ ‬كنا‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬وشعرنا‭ ‬بالعطش‭ ‬فما‭ ‬علينا‭ ‬سوى‭ ‬السير‭ ‬عدة‭ ‬خطوات‭ ‬إلى‭ ‬الصنبور،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المياه‭ ‬العذبة‭ ‬النظيفة‭. ‬وإذا‭ ‬شعرنا‭ ‬بالبرد،‭ ‬فيمكننا‭ ‬تشغيل‭ ‬المدفأة‭ ‬أو‭ ‬ارتداء‭ ‬قفاز‭ ‬آخر‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬لا‭ ‬شيء‭ ‬–‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬العموم‭ ‬–‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يلتهمنا‭.‬

ليست‭ ‬الحيوانات‭ ‬محظوظة‭ ‬بهذا‭ ‬القدر‭- ‬فعالمها‭ ‬أقل‭ ‬راحة‭ ‬بكثير‭. ‬ولحسن‭ ‬الحظ‭ ‬أنها‭ ‬تستطيع‭ ‬استغلال‭ ‬قوانين‭ ‬الفيزياء‭ ‬للبقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭. ‬وعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإن‭ ‬البعوض‭ ‬تتبع‭ ‬قوانين‭ ‬نيوتن‭ ‬في‭ ‬العواصف‭ ‬المطيرة،‭ ‬إذ‭ ‬تلتصق‭ ‬بقطرات‭ ‬المطر‭ ‬التي‭ ‬تصطدم‭ ‬بها،‭ ‬وتطير‭ ‬معها‭ ‬لتقليل‭ ‬قوة‭ ‬الاصطدام‭ ‬والبقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭. ‬كما‭ ‬يكتشف‭ ‬النحل‭ ‬الحقول‭ ‬الكهربائية‭ ‬المنبعثة‭ ‬من‭ ‬الازدهار‭ ‬للتحقق‭ ‬مما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الزهرة‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬مخزون‭ ‬كاف‭ ‬من‭ ‬الرحيق‭. ‬وبهذه‭ ‬الطريقة‭ ‬يوفر‭ ‬النحل‭ ‬الوقت‭ ‬والطاقة‭ ‬أثناء‭ ‬سعيه‭ ‬إلى‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬السائل‭ ‬السكري‭. ‬ويستخدم‭ ‬جراد‭ ‬بحر‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬تقنية‭ ‬الاحتكاك‭ ‬نفسها‭ ‬كعازف‭ ‬الكمان‭ ‬لخلق‭ ‬ضوضاء‭ ‬تكفي‭ ‬لإخافة‭ ‬الأسماك‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الحيوانات‭ ‬التي‭ ‬تود‭ ‬التهامه‭ ‬عندما‭ ‬يطرح‭ ‬درعه‭ ‬الواقي‭.‬

ومثل‭ ‬النحل‭ ‬الذي‭ ‬يستشعر‭ ‬المجالات‭ ‬الكهربائية،‭ ‬يمكن‭ ‬للحيوانات‭ ‬الأخرى‭ ‬أيضا‭ ‬اكتشاف‭ ‬أشياء‭ ‬لا‭ ‬ندركها‭. ‬فتستخدم‭ ‬السلاحف‭ ‬المجال‭ ‬المغناطيسي‭ ‬للأرض‭ ‬في‭ ‬تنقلها،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يستخدم‭ ‬النمل‭ ‬والنحل‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الأنواع‭ ‬الأخرى‭ ‬أنماطَ‭ ‬الضوء‭ ‬المُستقْطَب‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬لتوجيه‭ ‬أنفسها‭. ‬ويستطيع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الطيور‭ ‬رؤية‭ ‬الأشعة‭ ‬فوق‭ ‬البنفسجية،‭ ‬وهي‭ ‬ذات‭ ‬تردد‭ ‬أعلى‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬لعيوننا‭ ‬إدراكه‭. ‬وتعني‭ ‬هذه‭ ‬المهارات‭ ‬الخارقة‭ ‬أنه‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬علماء‭ ‬البيولوجيا‭ ‬توظيف‭ ‬قواعد‭ ‬الفيزياء‭ ‬لمعرفة‭ ‬ما‭ ‬تُدركه‭ ‬هذه‭ ‬الحيوانات‭.‬

وعلى‭ ‬طول‭ ‬الطريق،‭ ‬ساعدتنا‭ ‬الاكتشافات‭ ‬العلمية،‭ ‬مثل‭ ‬تلك‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالضوء‭ ‬المُستَقْطَب،‭ ‬على‭ ‬التعمق‭ ‬فيما‭ ‬تفعله‭ ‬الحيوانات‭. ‬وقد‭ ‬ساعدتنا‭ ‬الحيوانات‭ ‬بدورها‭ ‬على‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاكتشافات‭ ‬العلمية‭ ‬–‭ ‬مثلا‭ ‬أدت‭ ‬دراسة‭ ‬الثعابين‭ ‬الكهربائية‭ ‬دورا‭ ‬حاسما‭ ‬في‭ ‬اختراعنا‭ ‬للبطارية‭. ‬وحتى‭ ‬اليوم،‭ ‬يعمل‭ ‬الباحثون‭ ‬المتخصصون‭ ‬في‭ ‬المحاكاة‭ ‬البيولوجية‭ ‬biomimicry‭ ‬على‭ ‬تقليد‭ ‬التصاميم‭ ‬الحيوانية‭ ‬لصنع‭ ‬طائرات‭ ‬صغيرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬طيار،‭ ‬وملابس‭ ‬السباحة‭ ‬الشبيهة‭ ‬“بجلد‭ ‬القرش”،‭ ‬وغيرها‭.‬

حارة‭ ‬أو‭ ‬لا؟

تؤدي‭ ‬الحرارة‭ ‬دوراً‭ ‬حيوياً‭ ‬للحيوانات؛‭ ‬فإذا‭ ‬تعرضت‭ ‬لحرارة‭ ‬أو‭ ‬برودة‭ ‬مفرطة،‭ ‬فربما‭ ‬أن‭ ‬تموت

إذا‭ ‬سبحت‭ ‬يوماً‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬في‭ ‬جوٍ‭ ‬بارد‭ ‬وعاصف،‭ ‬فستعرف‭ ‬مدى‭ ‬بشاعة‭ ‬غمر‭ ‬كامل‭ ‬جسمك‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬البارد‭. ‬وعندما‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬الماء،‭ ‬ستعرف‭ ‬مدى‭ ‬فظاعة‭ ‬أن‭ ‬تندفع‭ ‬إلى‭ ‬الشاطئ‭ ‬والماء‭ ‬يقطر‭ ‬من‭ ‬جسمك‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تتبخر‭ ‬القطيرات‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬على‭ ‬جلدك‭ ‬لتزيد‭ ‬من‭ ‬شعورك‭ ‬بالبرد‭. ‬نحتاج‭ ‬–‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نوجد‭ ‬ضمن‭ ‬حدود‭ ‬ضيقة‭ ‬من‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬–‭ ‬فحتى‭ ‬بضع‭ ‬درجات‭ ‬أعلى‭ ‬أو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬37‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تصيبنا‭ ‬بزيادة‭ ‬أو‭ ‬انخفاض‭ ‬حرارة‭ ‬الجسم‭. ‬ولحسن‭ ‬الحظ،‭ ‬فنحن‭ ‬كائنات‭ ‬“ثابتة‭ ‬الحرارة”‭ ‬endotherms‭ ‬ويمكننا‭ ‬توليد‭ ‬حرارتنا‭ ‬الخاصة‭ ‬بحرق‭ ‬الطعام‭ ‬واستخدام‭ ‬عضلاتنا‭ ‬لنشعر‭ ‬بالدفء،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬المناشف‭ ‬الناعمة‭ ‬متوافرة‭ ‬أيضا‭.‬

تستطيع‭ ‬بعض‭ ‬الحيوانات،‭ ‬مثل‭ ‬الزواحف‭ ‬والفراشات‭ ‬والعث،‭ ‬أن‭ ‬تتحمل‭ ‬نطاقا‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة،‭ ‬ولكن‭ ‬“ذوات‭ ‬الدم‭ ‬البارد”‭ ‬هذه‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬توليد‭ ‬حرارتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬لذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تستلقي‭ ‬في‭ ‬الشمس‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬حرارة‭ ‬مريحة‭. ‬وهناك‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬الثعابين‭ ‬التي‭ ‬تستقتل‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الدفء‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭  ‬أنها‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬حيلة‭ ‬ماكرة‭ ‬جدا‭.   ‬تعرّف‭ ‬على‭ ‬الأفعى‭ ‬المخططة‭ ‬الحمراء‭ ‬الجانب،‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬مانيتوبا‭ ‬بكندا،‭ ‬حيث‭ ‬تنخفض‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭ ‬إلى‭ ‬–‭ ‬40‭ ‬درجة‭ ‬سيليزية،‭ ‬مما‭ ‬يُجبر‭ ‬تلك‭ ‬الحيوانات‭ ‬على‭ ‬الاحتماء‭ ‬في‭ ‬مخابئ‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬لمدة‭ ‬تسعة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬السنة‭.‬

وبمجرد‭ ‬ظهور‭ ‬ذكور‭ ‬الثعابين‭ ‬في‭ ‬فصل‭ ‬الربيع،‭ ‬فإنها‭ ‬تستلقي‭ ‬بالآلاف‭ ‬في‭ ‬أكوام‭ ‬مرتفعة‭ ‬عملاقة‭- ‬مثل‭ ‬طبق‭ ‬من‭ ‬معكرونة‭ ‬السباغيتي‭ ‬الملتوية‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬خروج‭ ‬الإناث‭. ‬لكن‭ ‬الإناث‭ ‬لا‭ ‬تتخيل‭ ‬أن‭ ‬تحيط‭ ‬بها‭ ‬عصابات‭ ‬من‭ ‬الذكور‭ ‬العاشقة‭ ‬فتفر‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬يمكنها‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬عند‭ ‬اكتشاف‭ ‬كتلة‭ ‬من‭ ‬الثعابين،‭ ‬يبادر‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬الذكور‭ ‬الجدّد‭ ‬الخارجين‭ ‬من‭ ‬الجحر‭ ‬بتغطية‭ ‬نفسه‭ ‬بكيماويات‭ ‬جنسية‭ ‬تُدعى‭ ‬الفيرومونات،‭ ‬كي‭ ‬يخدع‭ ‬الذكور‭ ‬المنافسة‭ ‬لتظن‭ ‬ليظنوا‭ ‬أنه‭ ‬أنثى‭. ‬تقفز‭ ‬الذكور‭ ‬الأخرى‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الثعبان،‭ ‬معتقدةً‭ ‬أنه‭ ‬أنثى‭ ‬–‭ ‬أو‭ ‬“خنثى”‭ ‬بمصطلحات‭ ‬البيولوجيا‭.‬

لكن‭ ‬هذا‭ ‬الذكر‭ ‬لا‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬التزاوج؛‭ ‬فهو‭ ‬ببساطة‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬الدفء‭ ‬وبسرعة‭. ‬تُعرف‭ ‬استعارة‭ ‬الدفء‭ ‬هذه‭ ‬بـ‭ ‬“سرقة‭ ‬الحرارة”‭ ‬Kleptothermy،‭ ‬إذ‭ ‬يمر‭ ‬كل‭ ‬ذكور‭ ‬الأفعى‭ ‬المخططة‭ ‬الحمراء‭ ‬الجانب‭ ‬بمرحلة‭ ‬الخنوثة‭. ‬وذلك‭ ‬أمر‭ ‬منطقي،‭ ‬لأن‭ ‬الشعور‭ ‬بالبرد‭ ‬والسبات‭ ‬العميق‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الثعبان‭ ‬هدفا‭ ‬للطيور‭ ‬التي‭ ‬تجوب‭ ‬سماء‭ ‬المنطقة‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬وجبة‭ ‬خفيفة‭ ‬لذيذة‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬يعني‭ ‬السرقة،‭ ‬فليكن‭.‬

كيف‭ ‬تجفف‭ ‬الكلاب‭ ‬نفسها

إذا‭ ‬ألقيت‭ ‬بعصا‭ ‬في‭ ‬النهر،‭ ‬فغالبا‭ ‬ما‭ ‬سيقفز‭ ‬كلبك‭ ‬الأليف‭ ‬إلى‭ ‬الماء‭ ‬مباشرة‭. ‬لكن‭ ‬الكلاب‭ ‬مغطاة‭ ‬بالفراء،‭ ‬وتحتفظ‭ ‬تلك‭ ‬الشعرات‭ ‬بنحو‭ ‬نصف‭ ‬كيلوغرام‭ ‬من‭ ‬الماء،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الكلب‭ ‬المسكين‭ ‬يشعر‭ ‬بالبرودة‭ ‬عند‭ ‬خروجه‭ ‬من‭ ‬الماء‭. ‬وبدلا‭ ‬من‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬تقوم‭ ‬حرارة‭ ‬جسمه‭ ‬بتبخير‭ ‬الماء،‭ ‬يقوم‭ ‬الكلب‭ ‬بتجفيف‭ ‬نفسه‭ ‬بتدوير‭ ‬عموده‭ ‬الفقري‭ ‬بسرعة‭ ‬ونفض‭ ‬طبقة‭ ‬الأنسجة‭ ‬اللينة‭ ‬الإسفنجية‭ ‬الموجودة‭ ‬بين‭ ‬جلده‭ ‬وعضلاته‭. ‬ويمكن‭ ‬للكلب‭ ‬تدوير‭ ‬فرائه‭ ‬بزاوية‭ ‬180‭ ‬درجة‭ ‬–‭ ‬وهي‭ ‬عملية‭ ‬تتم‭ ‬ذهابا‭ ‬وإيابا‭ ‬وتعرف‭ ‬بـ‭ ‬“الحركة‭ ‬التوافقية‭ ‬البسيطة”‭ ‬التي‭ ‬تشبه‭ ‬طريقة‭ ‬حركة‭ ‬البندول‭ ‬أو‭ ‬الزنبرك‭. ‬وتُظهر‭ ‬الاختبارات‭ ‬على‭ ‬كلاب‭ ‬لابرادور‭ ‬أنها‭ ‬تستطيع‭ ‬نَفض‭ ‬نحو‭ ‬70‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬المياه‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة،‭ ‬باستخدام‭ ‬طاقة‭ ‬أقل‭ ‬بنحو‭ ‬5000‭ ‬مرة‭ ‬مما‭ ‬يلزم‭ ‬لتبخير‭ ‬هذه‭ ‬الكمية‭ ‬من‭ ‬الماء‭. ‬وتعدُّ‭ ‬هذه‭ ‬حيلة‭ ‬مفيدة‭ ‬للكلب،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬يقف‭ ‬بجواره‭!‬

فيزياء‭ ‬السوائل

كيف‭ ‬تسير‭ ‬حشرات‭ ‬القَمَص‭ ‬على‭ ‬الماء‭ ‬وتطير‭ ‬النحلة‭ ‬الطنَّانة‭ ‬الضخمة

في‭ ‬العلم،‭ ‬تُعرف‭ ‬السوائل‭ ‬والغازات‭ ‬بالموائع‭: ‬أي‭ ‬المواد‭ ‬التي‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تتدفق‭. ‬ويمكن‭ ‬لفيزياء‭ ‬السوائل‭ ‬أن‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬تفسير‭ ‬بعض‭ ‬المآثر‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬خارقة،‭ ‬والتي‭ ‬تنفذها‭ ‬الحيوانات‭.‬

اجلس‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬سطح‭ ‬بحيرة‭ ‬وقد‭ ‬تتمكن‭- ‬إذا‭ ‬حدّقت‭ ‬بدقة‭ ‬كافية‭- ‬من‭ ‬مشاهدة‭ ‬حشرة‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الماء‭. ‬إنها‭ ‬حشرة‭ ‬القَمَص،‭ ‬التي‭ ‬يوجد‭ ‬منها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1700‭ ‬نوع‭. ‬وفي‭ ‬جسمها‭ ‬النحيل‭ ‬ذي‭ ‬اللون‭ ‬البني‭ ‬أو‭ ‬الأسود،‭ ‬تمتلك‭ ‬هذه‭ ‬الحيوانات‭ ‬الضئيلة‭ ‬ست‭ ‬أرجل‭ ‬نحيلة‭ ‬مثل‭ ‬العصي،‭ ‬والتي‭ ‬تباعد‭ ‬بينها‭ ‬بواقع‭ ‬ثلاث‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬جانب‭. ‬وإذا‭ ‬نظرت‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬كثب،‭ ‬فسترى‭ ‬أن‭ ‬نهايات‭ ‬أرجلها‭ ‬المسطحة‭ ‬تسبب‭ ‬انبعاج‭ ‬سطح‭ ‬الماء‭ ‬مثلما‭ ‬تفعل‭ ‬كرة‭ ‬البولينغ‭ ‬على‭ ‬حشية‭) ‬مرتبة‭ (. ‬ويطلق‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الحشرات‭ ‬اسم‭ ‬“حشرات‭ ‬يسوع”،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬المعجزات‭ ‬لتفسير‭ ‬عدم‭ ‬تعرضها‭ ‬للغرق‭.‬

تُخبرنا‭ ‬مبادئ‭ ‬الفيزياء‭ ‬الأساسية‭ ‬بأن‭ ‬الحشرة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الجلوس‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬الماء‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬وزنها‭ ‬ (السحب‭ ‬النزولي‭ ‬للجاذبية )‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬قوة‭ ‬السائل‭ ‬الذي‭ ‬يدفعها‭ ‬إلى‭ ‬أعلى‭. ‬ولتجنب‭ ‬الغرق،‭ ‬تحتاج‭ ‬حشرة‭ ‬القمص‭ ‬إلى‭ ‬جعل‭ ‬تلك‭ ‬القوة‭ ‬الصاعدة‭ ‬كبيرة‭ ‬بقدر‭ ‬الإمكان‭. ‬وكما‭ ‬ذكر‭ ‬أرخميدس‭ ‬العالم‭ ‬الإغريقي‭ ‬القديم،‭ ‬فإن‭ ‬القوة‭ ‬الصاعدة‭ ‬لجسم‭ ‬مغمور‭ ‬في‭ ‬الماء‭ ‬تساوي‭ ‬وزن‭ ‬الماء‭ ‬المزاح‭. ‬ولكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬يوجد‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬السائل‭ ‬–‭ ‬وليس‭ ‬مغمورا‭ ‬فيه‭- ‬تنطبق‭ ‬قواعد‭ ‬مختلفة‭.‬

ويرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سطح‭ ‬السائل‭ ‬غريب؛‭ ‬فهو‭ ‬مشدود‭ ‬ونطاط‭ ‬مثل‭ ‬الترامبولين‭. ‬وتعتمد‭ ‬القوة‭ ‬الصاعدة‭ ‬لجسم‭ ‬موجود‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬سائل‭ ‬على‭ ‬قابلية‭ ‬الطفو‭ ‬تلك‭- ‬أو‭ ‬التوتر‭ ‬السطحي‭- ‬وعلى‭ ‬طول‭ ‬الجسم‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لحشرة‭ ‬القمص‭ ‬تعديل‭ ‬التوتر‭ ‬السطحي،‭ ‬لكنها‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬التوتر‭ ‬السطحي‭ ‬للماء‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬مثيله‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬سائل‭ ‬طبيعي‭ ‬آخر‭. ‬ويكمن‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬أرجل‭ ‬الحشرة،‭ ‬والتي‭ ‬يبلغ‭ ‬طول‭ ‬نهاياتها‭ ‬نحو‭ ‬سنتيمتر‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬العادة‭. ‬ولكونها‭ ‬تقبع‭ ‬مسطحة‭ ‬على‭ ‬الماء،‭ ‬يزيد‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الصاعدة‭ ‬الإجمالية‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬وزن‭ ‬الحشرة‭. ‬والنتيجة‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تغرق‭.‬

معظم‭ ‬حشرات‭ ‬القمص‭ ‬لها‭ ‬هامش‭ ‬سلامة‭ ‬واسع،‭ ‬لكن‭ ‬أكبر‭ ‬أنواعها‭ ‬غيغانتوميترا‭ ‬غيغاس‭ ‬Gigantometra gigas‭ ‬تقترب‭ ‬من‭ ‬هامش‭ ‬السلامة‭. ‬وبكتلتها‭ ‬البالغة‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثة‭ ‬غرامات،‭ ‬يزيد‭ ‬طول‭ ‬أرجلها‭ ‬على‭ ‬20‭ ‬سنتيمترا‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توليد‭ ‬قوة‭ ‬تصاعدية‭ ‬تكفيها‭ ‬للبقاء‭ ‬فوق‭ ‬الماء‭.‬

أما‭ ‬خارج‭ ‬الماء،‭ ‬فيمكن‭ ‬لفهم‭ ‬فيزياء‭ ‬السوائل‭ ‬أن‭ ‬يساعدنا‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬دحض‭ ‬خرافة‭ ‬رائجة‭: ‬النحلة‭ ‬الطنانة‭ ‬ثقيلة‭ ‬جدا‭ ‬وأجنحتها‭ ‬أصغر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬بالطيران‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تحدي‭ ‬قوانين‭ ‬الديناميكا‭ ‬الهوائية‭. ‬انظر‭ ‬فقرة‭ ‬“طيران‭ ‬النحل‭ ‬الطنان”‭ ‬لمعرفة‭ ‬المزيد‭.‬

أعمال‭ ‬الضوء

يمكننا‭ ‬–‭ ‬نحن‭ ‬البشر‭ ‬–‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬الألوان‭ ‬من‭ ‬الأحمر‭ ‬إلى‭ ‬البنفسجي،‭ ‬لكن‭ ‬الضوء‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬تراه‭ ‬أعيننا‭. ‬إذ‭ ‬يستطيع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الطيور،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬الحشرات‭ ‬والزواحف‭ ‬والأسماك،‭ ‬اكتشاف‭ ‬الأشعة‭ ‬فوق‭ ‬البنفسجية‭ ‬ذات‭ ‬التردد‭ ‬العالي‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يمكن‭ ‬لحيوانات‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬تميّز‭ ‬بين‭ ‬ضوء‭ ‬الشمس‭ ‬“غير‭ ‬المُستقْطَب”‭ ‬unpolarised‭ ‬وأشعة‭ ‬الشمس‭ ‬التي‭ ‬تصبح‭ ‬“مُستقْطَبة”‭ ‬بعد‭ ‬الاصطدام‭ ‬بجزيئات‭ ‬في‭ ‬الغلاف‭ ‬الجوي‭. ‬ويستغل‭ ‬بعض‭ ‬النمل‭ ‬الصحراوي‭ ‬الضوءَ‭ ‬المستقطب‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬مساكنه‭ ‬بعد‭ ‬العثور‭ ‬على‭ ‬الطعام‭ ‬في‭ ‬أسفاره،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تستخدمه‭ ‬النحل‭ ‬لإبلاغ‭ ‬رفاقها‭ ‬في‭ ‬الخلية‭ ‬بالاتجاه‭ ‬الصحيح‭ ‬للطيران‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬الرحيق‭.‬

ومثل‭ ‬الأشعة‭ ‬السينية،‭ ‬أو‭ ‬موجات‭ ‬الميكروويف‭ ‬أو‭ ‬أشعة‭ ‬غاما،‭ ‬فالضوء‭ ‬المرئي‭ ‬هو‭ ‬موجات‭ ‬كهرومغناطيسية‭ ‬تتكون‭ ‬من‭ ‬مجالات‭ ‬كهربائية‭ ‬ومغناطيسية‭ ‬متعامدة‭ ‬على‭ ‬بعض‭. ‬وتتفاوت‭ ‬قوة‭ ‬الحقول‭ ‬صعودا‭ ‬وهبوطا‭ ‬مع‭ ‬تردد‭ ‬يمنح‭ ‬الموجة‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬خصائصها‭. ‬أما‭ ‬الضوء‭ ‬غير‭ ‬المستقطب‭ ‬فيشبه‭ ‬قطعة‭ ‬من‭ ‬الخيط‭ ‬الممدود‭ ‬بين‭ ‬شخصين‭ ‬–‭ ‬والذي‭ ‬يهتز،‭ ‬أولا‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬ثم‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬ما‭ ‬إلى‭ ‬الأفقي،‭ ‬ثم‭ ‬على‭ ‬زاوية‭ ‬مختلفة،‭ ‬مغيّرا‭ ‬اتجاهه‭ ‬مئة‭ ‬مليون‭ ‬مرة‭ ‬في‭ ‬الثانية‭. ‬إذا‭ ‬قام‭ ‬الشخصان‭ ‬بتحريك‭ ‬الخيط‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬الحقل‭ ‬الكهربائي‭ ‬للموجة،‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭ ‬–‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬إلى‭ ‬آخر‭ ‬مثلا‭ ‬–‭ ‬فتُستقطَب‭ ‬الموجة‭.‬

يمكن‭ ‬لبعض‭ ‬الحيوانات‭ ‬أن‭ ‬ترى‭ ‬عبر‭ ‬الماء،‭ ‬حيث‭ ‬يتصرف‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬مختلف‭ ‬عما‭ ‬يفعل‭ ‬في‭ ‬الهواء؛‭ ‬فهو‭ ‬يتحرك‭ ‬ببطء‭ ‬أكثر؛‭ ‬كما‭ ‬تميل‭ ‬جزيئات‭ ‬الماء‭ ‬إلى‭ ‬امتصاص‭ ‬الضوء‭ ‬ذي‭ ‬الترددات‭ ‬الأقل‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬درجات‭ ‬الأحمر‭ ‬والأصفر‭ ‬–‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تمتص‭ ‬تلك‭ ‬العالية‭ ‬التردد‭ ‬مثل‭ ‬درجات‭ ‬الأزرق‭ ‬والأخضر‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬قد‭ ‬ترى‭ ‬وجه‭ ‬رفيقك‭ ‬في‭ ‬الغوص‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬اللون‭ ‬الأخضر‭ ‬الشاحب‭ ‬كلما‭ ‬ازداد‭ ‬العمق‭ ‬الذي‭ ‬تغوص‭ ‬إليه‭. ‬والأكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬جزيئات‭ ‬الماء‭ ‬وجسيمات‭ ‬مثل‭ ‬العوالق‭ ‬تبعثر‭ ‬الضوء‭ ‬بحيث‭ ‬إنه،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الحيوانات‭ ‬تحت‭ ‬الماء،‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬محاولة‭ ‬الرؤية‭ ‬أشبه‭ ‬بالتحديق‭ ‬عبر‭ ‬الضباب‭. ‬وإذا‭ ‬غُصت‭ ‬إلى‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فستُمتَّص‭ ‬حتى‭ ‬درجات‭ ‬الأزرق‭ ‬والأخضر‭ ‬–‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬تكون‭ ‬أعماق‭ ‬المحيطات‭ ‬حالكة‭ ‬السواد‭.‬

ومن‭ ‬بين‭ ‬الحيوانات‭ ‬المميزة‭ ‬نجد‭ ‬سمكة‭ ‬رامي‭ ‬السهام‭ ‬Archerfish‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أسطح‭ ‬الأنهار‭ ‬والبحيرات‭ ‬الاستوائية‭. ‬وهي‭ ‬تصطاد‭ ‬الحشرات‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬في‭ ‬الهواء،‭ ‬من‭ ‬ثم‭ ‬يتعين‭ ‬عليها‭ ‬أن‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬انحناء‭- ‬أو‭ ‬انكسار‭- ‬الضوء‭ ‬وهو‭ ‬يتحرك‭ ‬من‭ ‬الهواء‭ ‬إلى‭ ‬الماء‭ ‬وتتباطأ‭ ‬سرعته‭. ‬فسمكة‭ ‬رامي‭ ‬السهام‭ ‬بارعة‭ ‬في‭ ‬تعويض‭ ‬الانكسار،‭ ‬فهي‭ ‬تنجح‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬الحالات‭ ‬في‭ ‬بصق‭ ‬بعض‭ ‬الماء‭ ‬على‭ ‬الهدف،‭ ‬فتقتله‭ ‬به‭ ‬على‭ ‬الفور‭.‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق