فضاءهل كنت تعلم؟

اكتشاف اللامرئي

اكتشف العالم الغامض للثقوب السوداء والمشاريع التي تحاول سبر أغوارها

تولد الثقوب السوداء النجمية عند موت نجم، وتنشأ بانهيار كتلة النجم- وهي أصغر أشكال الثقوب السوداء.

وكما تفعل شمسنا، تحوِّل النجوم الهيدروجين إلى هيليوم أثناء الانشطار النووي في مركزها. ويضاد الإشعاع الناجم عن هذا التفاعل قوى الجاذبية للنجم، والتي تدفع إلى الداخل. وطالما وجد توازن بين الإشعاع والجاذبية، فإن النجم يبقى كما هو عليه. ومع ذلك، فمع انخفاض الإشعاع بمرور الزمن، تقل مقاومة الجاذبية بدورها. وفي نهاية المطاف، فإن جاذبية النجم تُجبر كتلته على التطوّي على نفسها، مما يؤدي إلى تشكّل ثقب أسود نجمي، والذي تبلغ كتلة هذا الحدث المنفرد Singularity الناتج نحو 30 ضعف كتلة شمسنا أو أكثر. وعلى الرغم من أن الثقوب السوداء النجمية بالغة الضخامة، فهناك ثقوب أخرى تجعلها تبدو قزمة: في قلب المجرات، توجد الثقوب السوداء الفائقة الكتلة. وبكتلتها التي تزيد على كتلة مليون شمس، تُعد هذه الثقوب السوداء عمالقة المجرة الحقيقيين. وعلى الرغم من أن أصولها غير واضحة، يشير البعض إلى أنها نتجت من انهيار سُحُب هائلة من الغازات أثناء تكوّن المجرة. والمثير للاهتمام – بشكل خاص – حول الثقوب السوداء الفائقة العملقة، وهو الشيء الذي يحرص العلماء على دراسته، هو أفق الحدث Event Horizon. وهو النقطة التي لا يمكن لأي شيء أن يفلت فيها من سَحْب جاذبية الثقب الأسود، ويلقي هذا الحد “بظلاله” على الثقب الأسود. وباستخدام قلم، مثلا، ارسم دائرة على قطعة من الورق. فكيف ترى الدائرة على الصفحة؟ الحبر هو ما يكشف حدود الدائرة، بالطريقة نفسها التي يكشف بها أفقُ الحدث الثقبَ الأسود. وعند هذه النقطة من الجاذبية المنحدرة اللانهائية، فإن الزمن نفسه يتأثر بجاذبية الثقب الأسود. لكن الثقوب السوداء لا تتصرف كمكنسة كهربائية تمتص غبار النجوم بل كبئر سحيقة تهوي فيها الأجرام بلا رجعة. وفي الوقت الحالي، لا يزال وجود ثقب أسود كما نعلمه مجرد تصوّر نظري. ويرجع السبب في أننا نعلم بوجود هذه الكتل إلى الطريقة التي تتصرف بها النجوم والضوء المنبعث عندما يكون أحدها في الجوار. وبرصد مواقع النجوم في الكون، يمكن للعلماء تسجيل الطريقة التي تدور بها حول ثقب أسود محتمل. وقد ثبت أيضا أن مراقبة انبعاثات الأشعة السينية من الثقوب السوداء تحدد مواقع هذه الثقوب، ولكن دون رؤيتها بصورة مباشرة. فكيف يمكنك، إذاً، أن تلمح أحدها؟

التحديق في المجهول

اندمجت ثلاثة مشاريع معا لتشكيل أكبر مصفوفة من التليسكوبات الراديوية في العالم، والتي يؤمل بأن تنتج دقة الصورة المطلوبة. وقد أدى كل من تليسكوب أفق الحدث EHT، والمشروع الشقيق المعروف بالمصفوفة الملليمترية العالمية لقياس التداخل الطويل الأمد GMVA، ومصفوفة تليسكوبات أتاكاما الكبير الملليمترية/ دون الملليمترية الطول الموجي ALMA إلى تحويل الأرض إلى تليسكوب كوكبي الحجم. وستركز اهتمامها على مصدر الأشعة الراديوية المضغوطة في وسط مجرة درب التبانة. ويعرف هذا بالقوس A*، ويعتقد أنه موقع ثقب أسود هائل، الذي تساوي كتلته نحو أربعة ملايين كتلة الشمس.

باستخدام تقنية تسمى قياس التداخل الطويل الأمد VLBI، ترتبط مصفوفة التليسكوبات معا من أجل التقاط مصادر الأشعة الراديوية الفلكية في الفضاء. وتنبعث من الأجرام في الفضاء موجات راديوية وإشعاعات مختلفة، بما في ذلك الثقوب السوداء. ويمكن للإشعاع أن يساعد على إنتاج صورة: ليس للثقب الأسود نفسه، لأن ذلك سيكون مستحيلا، ولكن لأفق الحدث والقرص التراكمي الذي يحيط به.

عند عبور نجم، أو كوكب، أو أية مادة في أي شكل، لمسار ثقب أسود، فإن الحجم الهائل لسَحْب جاذبية الثقب سيبتلعه. وعند التهام وجبة بهذه القوة الهائلة، فلن تترك وراءها سوى ندف صغيرة من الحطام. أما الغبار والغازات والبلازما التي تتبقى؛ فستظل تدور حول ثقب أسود فيما يعرف بالقرص التراكمي، وتندفع عموديا لتشكيل التدفقات النسبية؛ وهنا يتولّد الإشعاع الكهرومغناطيسي والضوء، ومن ثم يُقذفان من الثقب الأسود. وعندما ينتج الارتطام بنجم كمية هائلة من الطاقة والضوء، فإنه يعرف بالكوازار.

ويسمح هذا الحدث الهائل لمصفوفة التليسكوبات اللاسلكية باكتشاف الإشعاع، وتحديد موقع أفق الحدث، ومن ثم تشكيل صورة لظل الثقب الأسود.

بدأ هذا التعاون العالمي بتجميع البيانات في أبريل 2017، ومع وصول آخر النتائج من القطب الجنوبي في نهاية العام، يمكننا أن نرى أخيرا أول صورة لثقب الأسود في أوائل عام 2018.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق